فصل: الْبَابُ الثامن في وصية الذمي والحربي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفتاوى الهندية



.الْبَابُ الثامن في وصية الذمي والحربي:

وَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُعَامَلَاتِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمُعَامَلَاتِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا- مَا يَكُونُ قُرْبَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، وَالثَّانِي مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ إنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَتُعْتَبَرُ تَمْلِيكًا مِنْهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جِهَةُ الْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَالثَّالِثُ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا مَعْصِيَةٌ عِنْدَهُمْ وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ إنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَتُعْتَبَرُ تَمْلِيكًا مِنْهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَرُّبُ مِنْ الْمُوصِي، وَإِنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَالرَّابِعُ- مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَعِنْدَهُمَا بَاطِلَةٌ إلَّا إذَا كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى بِثُلُثِ مَالِهِ رِقَابًا وَتُعْتَقُ عَنْهُ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ.
بِثُلُثِ مَالِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ أَنْ يُسَرَّحَ بِهِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ يُبْنَى فِيهِ أَوْ يُغْزَى بِهِ التُّرْكَ أَوْ الدَّيْلَمَ وَالْمُوصِي مِنْ النَّصَارَى فَالْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلنَّائِحَاتِ أَوْ لِلْمُغَنِّيَاتِ فَإِنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ كَانَتْ صَحِيحَةً وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ كَانَتْ بَاطِلَةً، وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُبْنَى بِهِ مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَتُعْتَبَرُ تَمْلِيكًا لَهُمْ وَكَانُوا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا حَجُّوا بِهِ وَبَنَوْا الْمَسْجِدَ وَإِنْ شَاءُوا لَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ يُبْنَى بِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً فَعَلَى قَوْلِهِمَا: الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ إلَّا إذَا حَصَلَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَيَكُونُ ذَلِكَ تَمْلِيكًا مِنْهُمْ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي مِثْلِ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
وَقَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا أَوْصَى بِهِ فِي الْقُرَى أَمَّا إذَا أَوْصَى بِهِ فِي الْأَمْصَارِ فَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إذَا أَوْصَى لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ وَارِثُهُ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وُقِفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ وَارِثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلًا تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَكِنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ.
وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَوْ أَوْصَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ أَوْ صَارُوا ذِمَّةً، ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَى الْقَاضِي فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَجَزْتهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ اُسْتُهْلِكَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبْطَلْتهَا، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ لَوْ أَوْصَى مِنْ مَعْصُومٍ بِبَعْضِ مَالِهِ يُدْفَعُ الْبَاقِي إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ عَبْدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَحَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ، وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَمْ يَصِحَّ كَالْمُسْلِمِ، وَلَوْ أَوْصَى لِخِلَافِ مِلَّتِهِ صَحَّ كَالْإِرْثِ وَلَوْ أَوْصَى لِحَرْبِيٍّ غَيْرِ مُسْتَأْمَنٍ لَا يَصِحُّ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ لِحَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ جَازَ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ ارْتَدَّ مُسْلِمٌ إلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ، ثُمَّ أَوْصَى بِبَعْضِ هَذِهِ الْوَصَايَا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَقَّفُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ مِنْ وَصَايَاهُ وَيَبْطُلُ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَعِنْدَهُمَا تَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ نَافِذَةٌ لِلْحَالِ فَيَصِحُّ مِنْهُ مَا يَصِحُّ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَكَانَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمَا.
وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ وَصَايَاهَا مَا يَصِحُّ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ.
قَالَ فِي الْكِتَابِ: إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا أَوْصَتْ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا بِأَنْ أَوْصَتْ بِبِنَاءِ الْبِيعَةِ أَوْ الْكَنِيسَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فَإِنِّي لَا أَحْفَظُ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- مِنْهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِحُّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصَاحِبُ الْهَوَى إنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ فَهُوَ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ ظَاهِرًا وَإِذَا كَانَ يَكْفُرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِي تَصَرُّفَاتِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
إذَا صَنَعَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ مِيرَاثٌ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.

.(مَسَائِلَ شَتَّى):

رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُوصِيَ وَصِيَّةً فَوَهَبَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْ اشْتَرَى ابْنًا لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَانِثًا، وَلَوْ وَهَبَ شَيْئًا لِوَارِثِهِ فِي مَرَضِهِ وَأَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ وَأَمَرَ بِتَنْفِيذِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كِلَاهُمَا بَاطِلَانِ، فَإِنْ أَجَازَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ مَا فَعَلَ وَقَالُوا: أَجَزْنَا مَا أَمَرَ بِهِ الْمَيِّتُ تَنْصَرِفُ الْإِجَازَةُ إلَى الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ لَا إلَى الْهِبَةِ وَلَوْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَجَزْنَا مَا فَعَلَهُ الْمَيِّتُ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ فِي الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ جَمِيعًا.
مَرِيضٌ أَوْصَى بِوَصَايَا ثُمَّ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَعَاشَ سِنِينَ، ثُمَّ مَرِضَ فَوَصَايَاهُ بَاقِيَةٌ إنْ لَمْ يَقُلْ: إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أَبْرَأْ مِنْ مَرَضِي فَقَدْ أَوْصَيْت بِكَذَا أَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ: (اكرمزا ازين بيمارى مَرَّك آيَد) أَوْ قَالَ: (اكرازين بيمارى بميرم) فَحِينَئِذٍ إذَا بَرَأَ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
رَجُلٌ أَوْصَى وَقَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا وَيَحُجُّ عَنِّي، ثُمَّ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا، وَقَالَ لِلشُّهُودِ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى أَوْ لِغَيْرِهِمْ: اشْهَدُوا أَنِّي عَلَى الْوَصِيَّةِ الْأُولَى قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا فِي الْقِيَاسِ هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ الْأُولَى حِينَ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ فَنُجِيزُ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا قَالَ: أَوْصَيْت لِعَبْدِ اللَّهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلِلْمَسَاكِينِ بِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَغِلْمَانِي أَحْرَارٌ، ثُمَّ بَرَأَ، ثُمَّ مَرِضَ ثَانِيًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَوْصَى بِوَصَايَا، وَكَتَبَ بِهَا صَكًّا، ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْصَى بِوَصَايَا أَيْضًا وَكَتَبَ صَكًّا إنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الصَّكِّ الثَّانِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى يُعْمَلْ بِهِمَا جَمِيعًا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْوَسْوَاسُ فَصَارَ مَعْتُوهًا فَمَكَثَ كَذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَصِيَّتُهُ بَاطِلَةٌ.
مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ لِضَعْفِهِ إلَّا أَنَّهُ عَاقِلٌ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ بِوَصِيَّةٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِإِشَارَتِهِ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُجَوِّزُوا، وَقَالَ النَّاطِفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ذَكَرَ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ رَجُلٌ أَصَابَهُ فَالِجٌ فَذَهَبَ لِسَانُهُ وَعَجَزَ عَنْ الْكَلَامِ لِمَرَضٍ فَأَشَارَ أَوْ كَتَبَ فَطَالَ ذَلِكَ وَتَقَادَمَ الْعَهْدُ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَكُونُ حُكْمَ الْأَخْرَسِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ دَفَعَ إلَى آخَرَ أَلْفًا، وَقَالَ: هَذَا الْأَلْفُ لِفُلَانٍ، فَإِذَا مِتُّ أَنَا فَادْفَعْهُ إلَيْهِ فَمَاتَ يَدْفَعُهُ الْمَأْمُورُ إلَى فُلَانٍ كَمَا أَمَرَهُ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: هُوَ لِفُلَانٍ وَلَكِنْ قَالَ: ادْفَعْهُ إلَيْهِ فَمَاتَ الْآمِرُ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَدْفَعُهُ إلَى فُلَانٍ.
وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ الدَّبُوسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَرِيضٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ، وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْهَا إلَى أَخِي أَوْ قَالَ: إلَى ابْنِي، ثُمَّ مَاتَ وَعَلَى الْمَيِّتِ دُيُونٌ قَالَ: إنْ قَالَ: ادْفَعْهَا إلَى أَخِي، أَوْ قَالَ: إلَى ابْنِي، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمَأْمُورَ يَدْفَعُ الْأَلْفَ إلَى غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ.
وَعَنْ نُصَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ قَالَ: ادْفَعُوا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ أَوْ هَذِهِ الثِّيَابَ إلَى فُلَانٍ، وَلَمْ يَقُلْ هِيَ لَهُ وَلَا قَالَ: هِيَ وَصِيَّةٌ لَهُ قَالَ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ وَلَا وَصِيَّةٍ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِوَصَايَا وَأَنْفَذُوا وَصَايَاهُ بِالدَّرَاهِمِ الزُّيُوفِ وَالرَّدِيئَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَرَضُوا بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ جَازَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- رَجُلٌ أَوْصَى بِوَصَايَا وَالنُّقُودُ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَصَايَاهُ بِمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْبَيَّاعَاتِ.
مَرِيضٌ أَوْصَى بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ وَدَرَاهِمُهُ صِحَاحٌ فَإِنَّهُ يُشْتَرَى بِدَرَاهِمِهِ الصِّحَاحِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُبَاعُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ.
مَرِيضٌ قَالُوا لَهُ: لِمَ لَا تُوصِي، فَقَالَ: أَوْصَيْت بِأَنْ يُخْرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِي فَيُتَصَدَّقُ بِأَلْفٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَمْ يَزِدْ حَتَّى مَاتَ فَإِذَا ثُلُثُ مَالِهِ أَلْفَانِ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُتَصَدَّقُ إلَّا بِالْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ: أَوْصَيْت بِأَنْ يُخْرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِي، وَلَمْ يَزِدْ قَالَ: يُتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
مَرِيضٌ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِذَا الثُّلُثُ أَكْثَرُ قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَهُ الثُّلُثُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِنَصِيبِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَهُوَ الثُّلُثُ فَإِذَا نَصِيبُهُ النِّصْفُ قَالَ: هُوَ لَهُ إنْ كَانَ يَخْرُجُ النِّصْفُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ عُشْرُ مَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ الْأَلْفُ الْعُشْرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ لِفُلَانٍ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِذَا فِيهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ كَانَ لَهُ مَا فِي الْكِيسِ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَكَذَا لَوْ وُجِدَ فِي الْكِيسِ دَنَانِيرُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْجَوَاهِرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ جَمِيعُ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ مِمَّا فِي هَذَا الْكِيسِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ نِصْفُ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ، فَإِذَا فِي الْكِيسِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَ لَهُ الْأَلْفُ وَإِنْ كَانَ فِي الْكِيسِ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِيسِ إلَّا خَمْسُمِائَةٍ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكِيسِ دَنَانِيرُ أَوْ جَوَاهِرُ لَا شَيْءَ لَهُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ مِقْدَارُ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَهُوَ كُرُّ طَعَامٍ فَوُجِدَ فِيهِ أَكْرَارَ أَوْ وُجِدَ حِنْطَةٌ وَشَعِيرٌ، فَالْكُلُّ لَهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ هَذَا الْكِيسِ وَأَوْصَيْت لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ هَذَا الْكِيسِ يَعْنِي كِيسًا آخَرَ فَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقُوا عَنْهُ بِالْحِنْطَةِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حِنْطَةً لَكِنْ سَقَطَ ذَلِكَ عَنْ السُّؤَالِ فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ مَوْجُودَةً فَأَعْطَى قِيمَةَ الْحِنْطَةِ دَرَاهِمَ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ، وَإِنْ أَوْصَى بِالدَّرَاهِمِ فَأَعْطَى حِنْطَةً لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ قِيلَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ هَذَا الْعَبْدُ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا بِنَفْسِ الْعَبْدِ.
وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ وَتَصَدَّقْ بِهَا، فَاشْتَرَى الْوَصِيُّ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَوْ أَوْصَى بِصَدَقَةٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهَا فَتَصَدَّقَ الْوَصِيُّ مَكَانَهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، جَازَ وَإِنْ هَلَكَتْ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ الْوَصِيُّ يَضْمَنُ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَهَا وَعَنْهُ أَيْضًا، لَوْ أَوْصَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ يُتَصَدَّقُ عَنْهُ فَهَلَكَ الْأَلْفُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَاجِّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ؟ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجُوزُ ذَلِكَ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَغَصَبَ رَجُلٌ الْمَالَ مِنْ الْوَصِيِّ وَاسْتَهْلَكَهُ فَأَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَجْعَلَ الْمَالَ صَدَقَةً عَلَى الْغَاصِبِ وَالْغَاصِبُ مُعْسِرٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: يَجُوزُ ذَلِكَ.
رَجُلٌ أَصَابَ مَتَاعًا حَرَامًا وَأَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ عَنْ صَاحِبِ الْمَتَاعِ قَالَ: إنْ عَرَفَ صَاحِبَ الْمَتَاعِ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَتَصَدَّقْ بِهِ فَإِنْ كَذَّبَتْ الْوَرَثَةُ مُوَرِّثَهُمْ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ يُتَصَدَّقُ مِنْ ذَلِكَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ.
امْرَأَةٌ قَالَتْ فِي وَصِيَّتِهَا (خويشان مراياد كارهست ازمال مِنْ) قَالَ: تُصْرَفُ الْوَصِيَّةُ إلَى قَرِيبٍ لَهَا لَا يَرِثُ مِنْهَا وَالتَّقْدِيرُ فِي ذَلِكَ لِمَنْ خَاطَبَتْهُ بِالْكَلَامِ يُعْطَى مِنْ مَالِهَا قَدْرَ مَا يَشَاءُ أَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّذْكِرَةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا أَوْصَى بِأَفْضَلِ عَبِيدِهِ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِخَيْرِ عَبِيدِهِ وَأَنْ يُبَاعَ وَيُجْعَلَ ثَمَنُهُ فِي الْمَسَاكِينِ يُنْظَرُ إلَى أَفْضَلِهِمْ وَخَيْرِهِمْ قِيمَةً، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِخَيْرِ عَبِيدِي أَوْ لِأَفْضَلِ عَبِيدِي بِثُلُثِ مَالِي فَثُلُثُ مَالِهِ لِأَفْضَلِهِمْ فِي الدِّينِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ وَهُوَ فِي بَلَدٍ وَوَطَنُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ قَالَ: إنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ يُصْرَفُ ذَلِكَ إلَى فُقَرَاءِ هَذَا الْبَلَدِ وَمَا كَانَ فِي وَطَنِهِ يُصْرَفُ إلَى فُقَرَاءِ وَطَنِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ عَلَى فُقَرَاءِ بَلْخٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِمْ وَإِنْ أَعْطَى غَيْرَهُمْ جَازَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَجُوزُ.
وَفِي النَّوَازِلِ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَتُصُدِّقَ فِي يَوْمٍ جَازَ وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطَى كُلُّ فَقِيرٍ دِرْهَمًا فَأَعْطَى الْوَصِيُّ فَقِيرًا نِصْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَعْطَاهُ النِّصْفَ الْآخَرَ وَقَدْ اسْتَهْلَكَ الْفَقِيرُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ أَرْجُو أَنْ لَا يُضَمَّنَ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
أَوْصَى بِأَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ عَنْ كَفَّارَةٍ فَغَدَّى الْوَصِيُّ عَشَرَةً فَمَاتُوا يُغَدِّي وَيُعَشِّي غَيْرَهُمْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: أَطْعِمُوا عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ غَدَاءً وَعَشَاءً وَلَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةً، فَغَدَّى عَشَرَةً فَمَاتُوا عَشَّى عَشَرَةً سِوَاهُمْ وَقِيلَ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ: إنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا وَيُغَدِّي عَشَرَةً سِوَاهُمْ وَيُعَشِّيهِمْ وَبِهِ يُفْتَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِثَلَثِمِائَةِ قَفِيزٍ حِنْطَةً بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَفَرَّقَ مِائَتَيْ قَفِيزٍ حِنْطَةً فِي حَيَاةِ الْمُوصِي قَالَ أَبُو النَّصْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَغْرَمُ الْوَصِيُّ مَا فَرَّقَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي قَالَ وَيُفَرِّقُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ الضَّمَانِ، وَإِنْ فَرَّقَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ فَرَّقَ بِأَمْرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ أَمْرُهُمْ وَإِذَا فَرَّقَ يَخْرُجُ عَنْ الضَّمَانِ قَالَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَصِحُّ أَمْرُ الْكِبَارِ فِي حِصَّتِهِمْ وَلَا يَصِحُّ فِي حِصَّةِ الصِّغَارِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَوْصَى فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ: إنِّي كُنْت جَامَعْت أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَاسْأَلُوا الْفُقَهَاءَ مَاذَا يَجِبُ عَلَيَّ فِي الْحُكْمِ فَافْعَلُوهُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ مَعَ سَائِرِ وَصَايَاهُ أُعْتِقَتْ عَنْهُ رَقَبَتُهُ وَأُطْعِمَ عَنْهُ أَيْضًا نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَأَبَى الْوَرَثَةُ الْإِجَازَةَ أُطْعِمَ عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مُدَّانِ مِنْ حِنْطَةٍ وَمُدَّانِ لِمِسْكِينٍ إنْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى حِنْطَةً وَخُبْزًا وَيُتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَعَلَى مَنْ يَجِبُ أَجْرُ الْحَمَّالِينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْحِنْطَةَ وَالْخُبْزَ قَالُوا: إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِحَمْلِ ذَلِكَ إلَى مَوْضِعٍ يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَحْمِلُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ إلَى الْمَسَاجِدِ فَالْأُجْرَةُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ.
أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَلَوْ وَضَعَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ دَفَعَ إلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ الْقَبْضَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ لَمْ يَجُزْ عَامِلُ السُّلْطَانِ.
إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُخْتَلَطٌ بِمَالِهِ جَازَ أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ جَازَ أَيْضًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ كَانَ مُخْتَلَطًا لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ فَلَا وَجْهَ إلَّا الرَّدُّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمْلِكُهُ بِالْخَلْطِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ فِي بَقِيَّةِ مَالِ الْمَيِّتِ وَفَاءٌ بِمِقْدَارِ مَا يُرْضِي خُصَمَاءَهُ.
وَفِي الْجَامِعِ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسَاكِينِ يُتَصَدَّقُ مِنْهُ كُلَّ سَنَةٍ بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ.
أَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِأَنْ يُتَصَدَّقَ مِنْ ثُلُثِي كُلَّ سَنَةٍ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالْوَصِيُّ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَلَا يُوَزِّعُ عَلَى السَّنَةِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ وَالْقَتْلُ عَمْدًا كَانَ بَاطِلًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَمَنْ أَوْصَى بِسُدُسِ مَالِهِ، ثُمَّ بِسُدُسِ مَالِهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَأَشْهَدَ عَلَى وَاحِدٍ شَاهِدَيْنِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ إلَّا سُدُسُ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ أَكْثَرَ أَوْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ فَيُعْطَى الْأَكْثَرُ وَسَقَطَ حُكْمُ الْبَاقِي، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَأَعْطَى الْوَصِيُّ الْأَغْنِيَاءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يُجْزِئُهُ وَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ لِلْفُقَرَاءِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا كَانَ رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ الدَّيْنِ لِرَجُلٍ وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنُ مِائَةٌ اقْتَسَمَا ثُلُثَ مَالِ الْعَيْنِ نِصْفَيْنِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الدَّيْنِ خَمْسُونَ ضُمَّ إلَى الْعَيْنِ، وَكَانَ ثُلُثُ جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ الْعَيْنِ لِرَجُلٍ وَبِثُلُثِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ لِآخَرَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ اقْتَسَمَا ثُلُثَ الْعَيْنِ نِصْفَيْنِ فَإِنْ تَعَيَّنَ مِنْ الدُّيُونِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ضُمَّ ذَلِكَ إلَى الْعَيْنِ فَكَانَ لِصَاحِبَيْ الْوَصِيَّةِ ثُلُثُ ذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- الثُّلُثُ لِصَاحِبِ الْوَصِيَّةِ فِي الْعَيْنِ وَالثُّلُثَانِ لِلْآخَرِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ أَيْضًا.
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَيْنًا وَمِائَةُ دِرْهَمٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ دَيْنًا فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ ثُلُثَ الْعَيْنِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَنَّ مَنْ أَوْصَى بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يُصْرَفَ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ تَعَلَّقَتْ الْوَصِيَّةُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ وَهَبَ بَعْضَ الدَّيْنِ لِمَدْيُونِهِ بَعْدَ ذَلِكَ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِقَدْرِ مَا وَهَبَ كَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ قَالَ الْبَقَّالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْحِنْطَةَ فِي الدَّيْنِ قَالَ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ إذَا أَوْصَى بِمَتَاعِ بَدَنِهِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ الْقَلَنْسُوَةُ وَالْخُفُّ وَاللِّحَافُ وَالدِّثَارُ وَالْفِرَاشُ وَفِي السِّيَرِ أَنَّ اسْمَ الْمَتَاعِ فِي الْعَادَةِ يَقَعُ عَلَى مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ وَيَبْسُطُهُ فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَتَاعِ الثِّيَابُ وَالْفِرَاشُ وَالْقَمَصُ وَالْبُسُطُ وَالسُّتُرُ وَهِلَ يَدْخُلُ فِيهَا الْأَوَانِي؟ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِ وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي السِّيَرِ إلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ.
وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِفَرَسٍ بِسِلَاحِهِ سُئِلَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَهُوَ عَلَى سِلَاحِ الْفَرَسِ أَمْ عَلَى سِلَاحِ الرَّجُلِ قَالَ: عَلَى سِلَاحِ الرَّجُلِ.
قَالَ الْبَقَّالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: وَأَدْنَى مَا يَكُونُ مِنْ السِّلَاحِ سَيْفٌ وَتُرْسٌ وَرُمْحٌ وَقَوْسٌ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلِلْمُوصِي سَيْفٌ مُحَلَّى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ كَانَتْ الْحِلْيَةُ لَهُ وَبَعْدَ هَذَا يُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَزْعِ الْحِلْيَةِ ضَرَرٌ فَاحِشٌ تُنْزَعُ الْحِلْيَةُ مِنْ السَّيْفِ وَيُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي نَزْعِهَا ضَرَرٌ فَاحِشٌ يُنْظَرُ إلَى ضَرَرِ الْحِلْيَةِ وَإِلَى قِيمَةِ السَّيْفِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ السَّيْفِ أَكْثَرَ تُخَيَّرْ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا أَعْطَوْا الْمُوصَى لَهُ قِيمَةَ الْحِلْيَةِ مَصُوغًا مِنْ خِلَافِ جِنْسِهَا وَصَارَ السَّيْفُ مَعَ الْحِلْيَةِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِلْيَةِ أَكْثَرَ يُخَيَّرْ الْمُوصَى لَهُ إنْ شَاءَ أَعْطَى قِيمَةَ السَّيْفِ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عَلَى السَّوَاءِ كَانَ الْخِيَارُ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِقَزٍّ وَلِلْمُوصِي جُبَّةٌ أَوْ قَبَاءٌ حَشْوُهُ مِنْ قَزٍّ لَا شَيْءَ لَهُ.
وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَوْبِ قَزٍّ وَلِلْمُوصِي جُبَّةٌ بِطَانَتُهَا ثَوْبُ قَزٍّ وَظِهَارَتُهَا ثَوْبُ قَزٍّ كَانَ لِلْمُوصِي لَهُ الثَّوْبُ الْقَزُّ وَالْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِجُبَّةِ حَرِيرٍ وَلَهُ جُبَّةٌ ظِهَارَتُهَا حَرِيرٌ وَبِطَانَتُهَا حَرِيرٌ دَخَلَتْ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الظِّهَارَةُ حَرِيرًا وَالْبِطَانَةُ غَيْرَ حَرِيرٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَتْ الْبِطَانَةُ حَرِيرًا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَلَوْ أَوْصَى بِحُلِيٍّ يَدْخُلُ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ كُلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحُلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ مُفَصَّصًا بِزُمُرُّدٍ أَوْ يَاقُوتٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ.
وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِذَهَبٍ وَلَهُ ثَوْبُ دِيبَاجٍ مَنْسُوجٍ مِنْ ذَهَبٍ فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ سَدَى الثَّوْبِ مِثْلَ الْغَزْلِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ فِيهِ شَيْءٌ يُرَى كَانَ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ فَيُبَاعُ الثَّوْبُ وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الذَّهَبِ وَمَا سِوَاهُ فَمَا أَصَابَ الذَّهَبَ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِحُلِيٍّ دَخَلَ تَحْتَهَا الْخَاتَمُ مِنْ الذَّهَبِ وَهَلْ يَدْخُلُ تَحْتَهَا الْخَاتَمُ مِنْ الْفِضَّةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَوَاتِيمِ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ يَدْخُلُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَوَاتِيمِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ لَا يَدْخُلُ وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَالزَّبَرْجَدُ فَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا فِي شَيْءٍ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ يَدْخُلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرَكَّبًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُ حُلِيٌّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.الْبَابُ التاسع في الوصي وما يملكه:

لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَلَى خَطَرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: الدُّخُولُ فِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ غَلَطٌ وَالثَّانِيَةُ خِيَانَةٌ وَالثَّالِثَةُ سَرِقَةٌ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا يَنْجُو عَنْ الضَّمَانِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ إلَّا أَحَمَقٌ أَوْ لِصٌّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْأَوْصِيَاءُ ثَلَاثَةٌ أَمِينٌ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا أُوصِيَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَرَّرُ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ وَأَمِينٌ عَاجِزٌ فَالْقَاضِي يَضُمُّ إلَيْهِ مِنْ يُعِينُهُ وَفَاسِقٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ فَيَجِبُ عَزْلُهُ وَإِقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ الْمُوصَى إلَيْهِ: لَا أَقْبَلُ؛ صَحَّ رَدُّهُ وَلَا يَكُونُ وَصِيًّا فَإِنْ قَالَ الْمُوصِي لِلْمُوصَى إلَيْهِ: مَا كَانَ ظَنِّيَّ بِكَ أَنْ لَا تَقْبَلَ وَصِيَّتِي، فَقَالَ الْمُوصَى إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: قَبِلْتُ كَانَ جَائِزًا، وَلَوْ سَكَتَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَمَاتَ الْمُوصِي كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِنْ أَوْصَى إلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْوَصِيَّ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَبِلْت فَهُوَ جَائِزٌ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ السُّلْطَانُ مِنْ الْوَصِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْت كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي رَجُلٍ يُوصِي إلَى رَجُلٍ فَقَبِلَهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَالْوِصَايَةُ لَازِمَةٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ رَدَّهُ فِي حَيَّاتِهِ إنْ رَدَّهُ فِي وَجْهِهِ صَحَّ الرَّدُّ وَإِنْ رَدَّهُ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ لَا يَصِحُّ الرَّدُّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي وَجْهِهِ بِعِلْمِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَجَعَلَهُ مَتَى شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا مَتَى شَاءَ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ فَسَكَتَ الْمُوصِي وَمَاتَ فَقَالَ الْمُوصَى إلَيْهِ: قَبِلْت لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ، وَلَوْ أَنَّ الْمُوصَى إلَيْهِ سَكَتَ وَلَمْ يَقُلْ فِي وَجْهِهِ: لَا أَقْبَلُ، ثُمَّ قَالَ فِي غِيبَتِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ: قَدْ قَبِلْت كَانَ قَبُولُهُ جَائِزًا وَيَكُونُ وَصِيًّا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ، وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ حِينَ قَالَ: لَا أَقْبَلُ أَخْرَجَهُ ثُمَّ قَالَ: أَقْبَلُ- لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ.
وَلَوْ قَالَ فِي غِيبَةِ الْمُوصِي: لَا أَقْبَلُ وَصِيَّتَهُ، وَبَعَثَ بِذَلِكَ رَسُولًا أَوْ كِتَابًا إلَى الْمُوصِي فَبَلَغَ الْمُوصِي ثُمَّ قَالَ: أَقْبَلُ لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ.
وَلَوْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فِي وَجْهِ الْمُوصِي فَلَمَّا غَابَ الْوَصِيُّ قَالَ الْمُوصِي: اشْهَدُوا أَنِّي أَخْرَجْته عَنْ الْوَصِيَّةِ ذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ يَصِحُّ إخْرَاجُهُ، وَلَوْ أَنَّ الْوَصِيَّ رَدَّ الْوَصِيَّةَ حَالَ غِيبَةِ الْمُوصِي؛ فَرَدُّهُ بَاطِلٌ عِنْدَنَا.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَصِيُّ بِذَلِكَ فَبَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي مِنْ تِرْكَةِ الْمُوصِي جَازَ بَيْعُهُ وَيَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ فَقَالَ الْقَابِلُ لِلسَّاكِتِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي: اشْتَرِ لِلْمَيِّتِ كَفَنًا فَاشْتَرَاهُ، أَوْ قَالَ: نَعَمْ فَهُوَ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ السَّاكِتُ خَادِمًا لِلْآخَرِ غَيْرَ أَنَّهُ حُرٌّ يَعْمَلُ عِنْدَهُ فَأَمَرَهُ بِشِرَاءِ الْكَفَنِ لِلْمَيِّتِ فَاشْتَرَاهُ أَوْ قَالَ: نَعَمْ فَهُوَ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
قَالَ الْكَرْخِيُّ: إذَا قَبِلَ الْوَصِيُّ أَوْ تَصَرَّفَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْوَصِيَّ إذَا الْتَزَمَ ثُمَّ حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَأَخْرَجَ نَفْسَهُ نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي حَالِهِ فَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ لَمْ يُخْرِجْهُ وَإِنْ عُرِفَ عَجْزُهُ وَكَثْرَةُ اشْتِغَالِهِ يُخْرِجْهُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
قَالَ: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ أَوْ إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ أَوْ كَانُوا كِبَارًا وَصِغَارًا أَوْ كَانُوا صِغَارًا كُلُّهُمْ.
فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا كُلُّهُمْ أَوْ كَانُوا صِغَارًا وَكِبَارًا فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي الْأَصْلِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: إنَّهَا بَاطِلَةٌ سَتَبْطُلُ حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ قَبْلَ الْإِبْطَالِ فِي التَّرِكَةِ بَيْعًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ يَنْفَدُ تَصَرُّفُهُ وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا كُلُّهُمْ فَإِنْ أَوْصَى إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَوْصَى إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّهَا بَاطِلَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي قُلْنَا، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مُضْطَرِبٌ وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَفِي بَعْضِهَا مَعَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى مُكَاتَبِهِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ مَضَى الْأَمْرُ وَإِنْ عَجَزَ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَبْدِ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى الْمُسْتَسْعَى جَازَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَجُوزُ أَيْضًا، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَلَوْ أَوْصَى إلَى فَاسِقٍ مَخُوفٍ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، قَالُوا: مَعْنَاهُ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا أَوْصَى إلَى فَاسِقٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَيَجْعَلَ غَيْرَهُ وَصِيًّا إذَا كَانَ هَذَا الْفَاسِقُ مِمَّنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا، وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ أَنْفَذَ الْوَصِيَّةَ فَقَضَى هَذَا الْوَصِيُّ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَبَاعَ كَمَا يَبِيعُ الْأَوْصِيَاءُ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْقَاضِي كَانَ جَمِيعُ مَا صَنَعَ جَائِزًا وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ حَتَّى تَابَ وَأَصْلَحَ تَرَكَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا عَلَى حَالِهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ وَصِيًّا فَنَصَّبَ وَصِيًّا آخَرَ بِمَحْضَرِ الْوَصِيِّ فَأَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا الْفِعْلُ إخْرَاجًا لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِأَنَّ لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا وَالْوَصِيُّ غَائِبٌ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَالْوَصِيُّ هُوَ وَصِيُّ الْمَيِّتِ دُونَ وَصِيِّ الْقَاضِي، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِذَا أَوْصَى مُسْلِمٌ إلَى حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَأْمَنٍ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مَعْنَاهُ سَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ إلَى الذِّمِّيِّ فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُبْطِلَهَا وَيُخْرِجَهُ مِنْ الْوِصَايَةِ.
وَالذِّمِّيُّ إذَا أَوْصَى إلَى الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مِنْ الْحَرْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمُ لَوْ أَوْصَى إلَى ذِمِّيٍّ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً وَإِذَا كَانَ الْحَرْبِيُّ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الْمَالِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ مِنْ الْوِصَايَةِ وَيُنَصِّبُ مَكَانَهُ عَدْلًا كَافِيًا.
وَإِذَا أَوْصَى الذِّمِّيُّ إلَى الذِّمِّيِّ كَانَ جَائِزًا وَلَا يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ الْوِصَايَةِ.
فَإِنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَوْصَى إلَى مُسْلِمٍ جَازَ وَلَا يُخْرَجُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ إلَى حَرْبِيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ كَانَ وَصِيًّا عَلَى حَالِهِ وَكَذَا لَوْ أَوْصَى إلَى مُرْتَدٍّ أَسْلَمَ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى عَاقِلٍ فَجُنَّ الْمُوصَى إلَيْهِ جُنُونًا مُطْبِقًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْقَاضِي حَتَّى أَفَاقَ الْوَصِيُّ كَانَ وَصِيًّا عَلَى حَالِهِ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ أَوْ مَجْنُونٍ جُنُونًا مُطْبِقًا لَمْ يَجُزْ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُفِقْ.
وَلَوْ بَاعَ الْمُرْتَدُّ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الْمُسْلِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ أَوْ إلَى الْأَعْمَى فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَا إذَا أَوْصَى إلَى مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ.
فَإِذَا أَوْصَى إلَى صَبِيٍّ فَالْقَاضِي يُخْرِجُهُ عَنْ الْوِصَايَةِ وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَكَذَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ الْقَاضِي مِنْ الْوِصَايَةِ كَمَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الذِّمِّيِّ وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْفُذُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْفُذُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ: وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ وَالذِّمِّيَّ الْقَاضِي مِنْ الْوَصِيَّةِ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَالْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ بَقِيَا وَصِيَّيْنِ وَلَا يُخْرِجُهُمَا الْقَاضِي عَنْ الْوِصَايَةِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَكُونُ وَصِيًّا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَكُونُ وَصِيًّا وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي نَوَادِرِ إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ: إنْ مِتَّ أَنْتِ فَالْوَصِيُّ بَعْدَك فُلَانٌ، فَجُنَّ الْأَوَّلُ جُنُونًا مُطْبِقًا فَالْقَاضِي يَجْعَلُ مَكَانَهُ وَصِيًّا حَتَّى يَمُوتَ الَّذِي جُنَّ فَيَكُونُ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوصِي وَصِيًّا.
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي نَوَادِرِهِ فِيمَنْ أَوْصَى إلَى ابْنٍ صَغِيرٍ لَهُ قَالَ: يَجْعَلُ الْقَاضِي لَهُ وَصِيًّا وَيُجَوِّزُ أَمْرَهُ فَإِذَا بَلَغَ ابْنُهُ جُعِلَ وَصِيًّا وَأُخْرِجَ الْأَوَّلُ إنْ شَاءَ وَلَا يَكُونُ خَارِجًا إلَّا بِإِخْرَاجِ الْقَاضِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَمَنْ أَوْصَى إلَى مَنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْوَصِيَّةِ ضَمَّ إلَيْهِ الْقَاضِي غَيْرَهُ، وَلَوْ شَكَا إلَيْهِ الْوَصِيُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُهُ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فَإِنْ ظَهَرَ عِنْدَ الْقَاضِي عَجْزُهُ أَصْلًا اُسْتُبْدِلَ بِهِ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ أَمِينًا فِيهِ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَهُ، وَكَذَا إذَا شَكَتْ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ الْوَصِيَّ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ مِنْهُ خِيَانَةٌ فَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ خِيَانَةً عَزَلَهُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
الْقَاضِي إذَا اتَّهَمَ الْوَصِيَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجْعَلُ الْقَاضِي مَعَهُ غَيْرَهُ وَلَا يُخْرِجُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُخْرِجُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ وَصِيٌّ عَلَى وَقْفٍ أَوْ فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ أَوْ الْوَقْفِ فَأَقَامَ الْحَاكِمُ قَيِّمًا آخَرَ ثُمَّ قَالَ الْوَصِيُّ بَعْدَ أَيَّامٍ: صِرْت قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِمَا فُوِّضَ إلَيَّ هَلْ يُعِيدُهُ الْحَاكِمُ إلَى مَا كَانَ؟ (قَالَ): هُوَ وَصِيٌّ عَلَى حَالِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْحَاكِمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَصِيِّينَ بِالتَّصَرُّفِ وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ إلَّا فِي أَشْيَاءَ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِهَا (مِنْهَا) تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَقَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فِي الْعَيْنِ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْعَيْنِ وَإِعْتَاقُ النَّسَمَةِ وَرَدُّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ وَدِيعَةِ الْمَيِّتِ وَلَا بِقَبْضِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْأَمَانَةِ وَيَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بِالْخُصُومَةِ فِي حُقُوقِ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ وَعِنْدَهُمْ يَنْفَرِدُ بِقَبُولِ الْهِبَةِ لِلصَّغِيرِ وَبِقِسْمَةِ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَبِإِجَارَةِ الْيَتِيمِ بِعَمَلٍ يُتَعَلَّمُ وَيَنْفَرِدُ أَيْضًا بِبَيْعِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّوَى وَالتَّلَفُ، وَلَا يُدَّخَرُ كَالْفَوَاكِهِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْفَقِيرَ لَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَنْفَرِدُ، وَإِنْ عَيَّنَ الْفَقِيرَ يَنْفَرِدُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْكُلِّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْمَسَاكِينِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَسَاكِينِ عِنْدَهُمَا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّنْفِيذِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَنْفَرِدُ وَإِنْ عَيَّنَ الْمِسْكِينَ يَنْفَرِدُ عِنْدَ الْكُلِّ هَذَا إذَا أَوْصَى إلَيْهِمَا جُمْلَةً فِي كَلَامٍ فَإِنْ أَوْصَى إلَى أَحَدِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ أَوْصَى إلَى الْآخَرِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ هَاهُنَا: يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِهِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ وَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيٌّ تَامٌّ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ وَحْدَهُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
رَجُلٌ جَعَلَ رَجُلًا وَصِيًّا فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ نَحْوُ التَّصَرُّفِ فِي الدَّيْنِ وَجَعَلَ آخَرَ وَصِيًّا فِي نَوْعٍ آخَرَ بِأَنْ قَالَ: جَعَلْتُك وَصِيًّا فِي قَضَاءِ مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ، وَقَالَ لَآخِرَ: جَعَلْتُك وَصِيًّا فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ مَالِي أَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ يَتَقَاضَى دَيْنِي وَلَمْ أُوصِ إلَيْهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَأَوْصَيْتُ بِجَمِيعِ مَالِي فُلَانًا آخَرَ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصِيَّيْنِ يَكُونُ وَصِيًّا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- كَأَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ وَصِيًّا فِيمَا أَوْصَى إلَيْهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: إذَا جَعَلَ الرَّجُلُ رَجُلًا وَصِيًّا عَلَى ابْنِهِ وَجَعَلَ رَجُلًا آخَرَ وَصِيًّا عَلَى ابْنِهِ الْآخَرِ أَوْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا وَصِيًّا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ وَجَعَلَ الْآخَرَ وَصِيًّا فِي مَالِهِ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا فِيمَا أَوْصَى إلَى الْآخَرِ يَكُونُ الْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَطَ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَتَصَرَّفُ الْحَيُّ فِي مَالِهِ فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي إنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَهُ وَصِيًّا وَحْدَهُ وَيُطْلِقُ لَهُ التَّصَرُّفَ فَعَلَ وَإِنْ رَأَى أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ رَجُلًا آخَرَ مَكَانَ الْمَيِّتِ فَعَلَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَنْفَرِدُ الْحَيُّ مِنْهُمَا بِالتَّصَرُّفِ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ (وَهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ) إحْدَاهَا- هَذِهِ.
وَالثَّانِيَةُ- إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ الرَّجُلُ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبِلَ الْآخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَنْفَرِدُ الْقَابِلُ بِالتَّصَرُّفِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَنْفَرِدُ.
وَالثَّالِثَةُ- إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَفَسَقَ أَحَدُهُمَا كَانَ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ لِلثَّانِي وَإِنْ شَاءَ ضَمَّ إلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ وَاسْتَبْدَلَ الْفَاسِقَ ثُمَّ الْعَدْلُ لَا يَتَصَرَّفُ وَحْدَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
مَاتَ رَجُلٌ فِي سَفَرٍ مَعَ قَوْمٍ قَالَ: اُسْتُحْسِنَ أَنْ يَبِيعُوا مَتَاعَهُ وَثِيَابَهُ وَلَا يَبِيعُونَ رَقِيقَهُ وَلَا يُنْفِقُونَ عَلَى الرَّقِيقِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، لَكِنْ إنْ كَانَ مَعَهُمْ طَعَامٌ لِمَوْلَاهُ أَوْ كَانَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ كَانَ هُوَ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعُوهُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لِدَرَاهِمَ يَأْخُذُهَا هُوَ فَيُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
رَجُلٌ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ وَعَلَيْهِ لِلنَّاسِ دُيُونٌ وَتَرَكَ أَمْوَالًا وَوَرَثَةً فَأَقَامَ رَجُلٌ شَاهِدَيْنِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِ وَالِي فُلَانٍ الْغَائِبِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْبَلُ بَيِّنَةَ هَذَا الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى حَقِّهِ وَحُقُّهُ مُتَّصِلٌ بِحَقِّ الْغَائِبِ فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فَصَارَا وَصِيَّيْنِ وَلَا يَكُونُ لِهَذَا الْحَاضِرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- مَا لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ إلَّا فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ صَدَّقَ الْحَاضِرَ وَادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِمَا لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ وَكَانَا وَصِيَّيْنِ جَمِيعًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَكُونُ الْغَائِبُ الَّذِي حَضَرَ وَصِيًّا مَا لَمْ يُعِدْ الْبَيِّنَةَ وَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا كَانَ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ جَعَلَ الْأَوَّلَ وَصِيًّا وَحْدَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّ إلَى الْأَوَّلِ رَجُلًا آخَرَ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَكَذَا لَوْ كَانَا وَصِيَّيْنِ لِيَتِيمَيْنِ لَا يَشْتَرِي أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ الْآخَرِ.
رَجُلٌ مَاتَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ فَقَضَى الْوَصِيَّانِ دَيْنَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ثُمَّ شَهِدَا لَهُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا وَيَضْمَنَانِ مَا دَفَعَا إلَى الْمُدَّعِي لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ شَهِدَا لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ أَمَرَهُمَا الْقَاضِي بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَقَضَيَا دِينَهُ لَا يَلْزَمُهُمَا الضَّمَانُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَا لَوَارِثَانِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا قَبْلَ الدَّفْعِ وَلَا تُقْبَلُ بَعْدَ الدَّفْعِ.
وَصِيُّ الْمَيِّتِ إذَا قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ بِشُهُودٍ جَازَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ وَإِنْ قَضَى دَيْنَ الْبَعْضِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَ ضَامِنًا لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ وَإِنْ قَضَى بِأَمْرِ الْقَاضِي دَيْنَ الْبَعْضِ لَا يَضْمَنُ وَالْغَرِيمُ الْآخَرُ يُشَارِكُ الْأَوَّلَ فِيمَا قَبَضَ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ وَأَوْصَى إلَى صَاحِبِهِ جَازَ وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فِي حَيَاتِهِمَا جَازَ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْوَصِيُّ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْإِيصَاءَ نَصًّا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ أَوْصَى فَمَاتَ وَفِي يَدِهِ وَدَائِعُ لِلنَّاسِ فَقَبَضَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ الْوَدَائِعَ مِنْ مَنْزِلِ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهِ أَوْ قَبَضَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ بِدُونِ أَمْرِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَهَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَقَبَضَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ فَضَاعَتْ فِي يَدِهِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَلَوْ قَبَضَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ يَضْمَنُ حِصَّةَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ الْهَلَاكُ عَلَى الْمَالِ فَلَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا.
وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُحِيطٌ وَلَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ وَدِيعَةٌ فَدَفَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى وَارِثِ الْمَيِّتِ فَضَاعَتْ فِي يَدِهِ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَوْدَعُ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْوَارِثُ، وَلَيْسَ هَذَا كَأَخْذِ الْمَالِ مِنْ مَنْزِلِ الْمَيِّتِ.
وَلَوْ كَانَ مَالُ الْمَيِّتِ فِي يَدِ غَاصِبٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّيْنِ لَا يَمْلِكَانِ الْأَخْذَ مِنْ الْمُودِعِ وَالْغَاصِبِ إلَّا أَنَّ فِي الْغَصْبِ إنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَأْمُونٌ ثِقَةٌ فَالْقَاضِي يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ الْغَاصِبِ وَيَدْفَعُهُ إلَى الْوَرَثَةِ وَفِي الْوَدِيعَةِ يَتْرُكُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ الْمُودِعِ.
وَصِيَّانِ اسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا حَمَّالِينَ لِحَمْلِ الْجِنَازَةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ أَوْ اسْتَأْجَرَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِحَضْرَةِ الْوَصِيَّيْنِ وَهُمَا سَاكِتَانِ جَازَ ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْكَفَنِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِالتَّصَدُّقِ بِالْحِنْطَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ قَبْلَ رَفْعِ الْجِنَازَةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ كَانَتْ الْحِنْطَةُ فِي التَّرِكَةِ جَازَ دَفْعُهُ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ.
الِامْتِنَاعُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحِنْطَةُ فِي التَّرِكَةِ فَاشْتَرَى أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ حِنْطَةً وَتَصَدَّقَ بِهَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ الْمُعْطِي.
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ: آخُذُ فِي هَذَا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى-.
وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ إذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ كِسْوَةٌ وَطَعَامٌ فَدَفَعَ ذَلِكَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ إلَى الْيَتِيمِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي التَّرِكَةِ فَاشْتَرَى أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ لَا يَشْتَرِي أَحَدُهُمَا إلَّا بِأَمْرِ الْآخَرِ وَلَوْ أَنَّ مَيِّتًا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ وَقَدْ كَانَ بَاعَ عَبْدًا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّهُ عَلَى الْوَصِيَّيْنِ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ وَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا قَبْضُ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يُودِعَ مَا صَارَ فِي يَدِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ.
وَلَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِشِرَاءِ عَبْدٍ وَبِالْإِعْتَاقِ فَأَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ لَا يَنْفَرِدُ بِالشِّرَاءِ وَبَعْدَ مَا اشْتَرَيَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُعْتِقَ رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَقَالَ لَهُمَا: ضَعَا ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ شِئْتُمَا أَوْ لِمَنْ شِئْتُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ: بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَيَعُودُ الثُّلُثُ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت ثُلُثَ مَالِي لِلْمَسَاكِينِ وَقَالَ لَهُمَا ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ قَالَ: يَجْعَلُ الْقَاضِي وَصِيًّا آخَرَ وَإِنْ شَاءَ قَالَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا: اقْسِمْ أَنْتَ وَحْدَك.
وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الْآخَرُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَدَّقَ وَحْدَهُ.
جِدَارٌ بَيْنَ دَارَيْ الصَّغِيرَيْنِ لَهُمَا عَلَيْهِ حُمُولَةٌ يُخَافُ عَلَيْهِ السُّقُوطُ وَلِكُلِّ صَغِيرٍ وَصِيٌّ فَطَلَبَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ مَرَمَّةَ الْجِدَارِ وَأَبَى الْآخَرُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ: يَبْعَثُ الْقَاضِي أَمِينًا حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِ إنْ عَلِمَ أَنَّ فِي تَرْكِهِ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا أَجْبَرَ الْآبِيَ أَنْ يَبْنِيَ مَعَ صَاحِبِهِ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَا لَهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عَبْدًا بِكَذَا دِرْهَمًا وَلِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ عَبْدٌ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا سَمَّى الْمَيِّتُ الْمُوصِي فَأَرَادَ الْوَصِيُّ الْآخَرُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَذَا الْعَبْدَ بِمَا سَمَّى الْمُوصِي قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ الْمُوصِي فَوَّضَ الْأَمْرَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ شِرَاءُ هَذَا الْوَصِيِّ مِنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَبَاعَ صَاحِبُ الْعَبْدِ عَبْدَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَشْتَرِيَانِ جَمِيعًا لِلْمَيِّتِ، فَهَذَا أَصْوَبُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَنْ يَضَعَ ثُلُثَ مَالِهِ حَيْثُ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهُ جَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَصَّ عَلَى الْوَضْعِ عِنْدَ نَفْسِهِ صَحَّ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطِ مَنْ شِئْت لَا يُعْطِي نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِأَخْذِ أَحَدٍ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْوَاحِدِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِعِلْمِ فُلَانٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِغَيْرِ عِلْمِ فُلَانٍ وَلَوْ قَالَ: لَا تَعْمَلْ إلَّا بِعِلْمِ فُلَانٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِغَيْرِ عِلْمِ فُلَانٍ وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا.
وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِ فُلَانٍ أَوْ قَالَ لَا تَعْمَلْ إلَّا بِرَأْيِ فُلَانٍ، فَفِي الْأَوَّلِ الْوَصِيُّ هُوَ الْمُخَاطَبُ وَفِي الثَّانِي هُمَا وَصِيَّانِ عَلَى الْمُخْتَارِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ قَالَ أَبُو نَصْرٍ: إنْ قَالَ: اعْمَلْ فِيهِ بِأَمْرِ فُلَانٍ فَهُوَ الْوَصِيُّ خَاصَّةً، وَإِنْ قَالَ: لَا تَعْمَلْ إلَّا بِأَمْرِ فُلَانٍ فَهُمَا وَصِيَّانِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى وَارِثِهِ جَازَ فَإِنْ مَاتَ الْوَصِيُّ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ آخَرَ إنْ قَالَ هَذَا الْوَارِثُ الَّذِي أُوصِي إلَيْهِ: جَعَلْتُك وَصِيًّا فِي مَالِي وَفِي مَالِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَنَا وَصِيُّهُ فَإِنَّ الْوَصِيَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَصِيًّا فِي التَّرِكَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْوَارِثَ الَّذِي هُوَ وَصِيٌّ قَالَ لِلثَّانِي: أَوْصَيْت إلَيْك وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا كَانَ الثَّانِي وَصِيًّا فِي التَّرِكَتَيْنِ عِنْدَنَا، وَلَوْ قَالَ هَذَا الْوَارِثُ لِلثَّانِي: أَوْصَيْت إلَيْك فِي التَّرِكَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ وَصِيٌّ فِي التَّرِكَتَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ صَاحِبَاهُ: هُوَ وَصِيٌّ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الثَّانِي خَاصَّةً، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الرَّجُلُ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا آخَرَ أَوْصَى إلَى الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي الثَّانِي صَارَ الْمُوصِي الْأَوَّلُ وَصِيًّا ثُمَّ إذَا مَاتَ الْمُوصِي الْأَوَّلُ وَلَمْ يُوصِ بِالْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ فَوَصِيُّهُ يَكُونُ وَصِيًّا لَهُمَا جَمِيعًا، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
خَاطَبَ جَمَاعَةً فَقَالَ لَهُمْ: افْعَلُوا كَذَا بَعْدَ مَوْتِي إنْ قَبِلُوا يَصِيرُ كُلُّهُمْ أَوْصِيَاءَ وَإِنْ سَكَتُوا حَتَّى مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ قِبَلَ بَعْضُهُمْ فَإِنْ كَانَ الْقَابِلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ صَارَا وَصِيَّيْنِ أَوْ أَوْصِيَاءَ وَيَجُوزُ لَهُمَا وَلَهُمْ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا صَارَ وَصِيًّا أَيْضًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ مَا لَمْ يَرْجِعْ أَمْرُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُقِيمُ مَعَهُ آخَرَ وَيُطْلِقُ لَهُ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ.
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَجَعَلَ غَيْرَهُ مُشْرِفًا عَلَيْهِ يَكُونُ الْوَصِيُّ أَوْلَى بِإِمْسَاكِ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ الْمُشْرِفُ وَصِيًّا، وَأَثَرُ كَوْنِهِ مُشْرِفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ إلَّا بِعِلْمِهِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ فِي الْمَالِ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ فَإِنَّهُمَا يَقْسِمَانِهِ وَيَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ تَهَايَآهُ وَإِنْ أَحَبَّا اسْتَوْدَعَا رَجُلًا وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ كُلُّهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ.
وَإِنْ كَانَا وَصِيَّيْنِ لِلْيَتَامَى فَقَاسَمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- إلَّا أَنْ يَكُونَا حَاضِرَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا إلَّا أَنَّ الْحَاضِرَ قَاسَمَ بِإِذْنِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- إلَّا أَنْ يَكُونَا حَاضِرَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا وَفَعَلَ الْحَاضِرُ بِإِذْنِ الْغَائِبِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، فَكَذَا الْقِسْمَةُ.
وَإِذَا أَوْصَتْ الْمَرْأَةُ إلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا بِوَصَايَا مِنْ عِتْقٍ وَصِلَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتَرَكَتْ ضَيْعَةً وَثِيَابًا وَحُلِيًّا وَخَلَّفَتْ ابْنَيْنِ رَضِيعَيْنِ فَقَالَ الزَّوْجُ: أَنَا أُنَفِّذُ وَصِيَّتَهَا مِنْ خَالِصِ مَالِي وَلَا أَبِيعُ الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ، إنْ أَنْفَذَ الزَّوْجُ هَذِهِ الْوَصَايَا بِإِذْنِ الْوَصِيِّ الْآخَرِ وَهُوَ الْأَبُ فَمَا كَانَ مِنْ صِلَاتٍ وَوَصَايَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى شِرَاءِ شَيْءٍ وَقَدْ فَعَلَهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي التَّرِكَةِ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ لَمْ يَجُزْ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ مِنْ غَيْرِ شِرَاءٍ فَلَا تَجْرِي فِيهِ الْوَصِيَّةُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنْ أَحَبَّ الزَّوْجُ أَنْ يُبْقِيَ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لِأَوْلَادِهِ وَأَنْ يُنْفِذَ الْوَصِيَّةَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَهَبْ مِنْ الصِّغَارِ مَالًا ثُمَّ يَبِيعُ الْوَصِيَّانِ مِقْدَارَ الْوَصِيَّةِ مِنْ رَجُلٍ وَيَشْتَرِي الْأَبُ لِلصِّغَارِ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ يَنْفُذُ ذَلِكَ الْمَالَ إلَى الْبَائِعِ وَيَقْبِضُهُ الْوَصِيَّانِ مِنْ ثَمَنِ الضَّيْعَةِ فَيُنَفِّذَانِ بِهِ الْوَصِيَّةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ بَاعَ عَقَارًا لِيَقْضِيَ بِثَمَنِهِ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَفِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ مَا يَفِي لِقَضَاءِ الدَّيْنِ جَازَ هَذَا الْبَيْعُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَصِيُّ الْأَبِ يُقَاسِمُ مَالَ الصَّغِيرِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا بِغَبَنٍ يَسِيرٍ وَلَا يَمْلِكُهُ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إنَّ مَنْ مَلَكَ بَيْعَ شَيْءٍ مَلَكَ قِسْمَتَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُقَاسِمَ الْمُوصَى لَهُ فِيمَا سِوَى الْعَقَارِ وَيُمْسَكُ لِلصِّغَارِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ كَبِيرًا غَائِبًا.
وَلَوْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ لِلْوَرَثَةِ وَفِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ لِإِنْسَانٍ وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْغَائِبِ وَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْوَرَثَةَ.
وَلَوْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ صِغَارًا فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ الْمُوصَى لَهُ فَأَعْطَاهُ الثُّلُثَ وَأَمْسَكَ الثُّلُثَيْنِ لِلْوَرَثَةِ جَازَ حَتَّى لَوْ هَلَكَ مَا فِي يَدِ الْوَصِيِّ لِلْوَرَثَةِ لَا يَرْجِعُ الْوَرَثَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِشَيْءٍ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا نَصَّبَ الْقَاضِي وَصِيًّا لِلْيَتِيمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَقَاسَمَ عَلَيْهِ فِي الْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ جَازَ هَذَا إذَا جَعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَأَمَّا إذَا جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي النَّفَقَةِ أَوْ فِي حِفْظِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَجُزْ قِسْمَتُهُ.
وَإِذَا قَاسَمَ الْوَصِيُّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْوَرَثَةِ وَهُمْ صِغَارٌ فَدَفَعَ الثُّلُثَ إلَيْهِ وَأَخَذَ الثُّلُثَيْنِ لِلْوَرَثَةِ صَحَّ حَتَّى لَوْ هَلَكَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ فِي يَدِ الْوَصِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَصِيِّ الضَّمَانُ، وَلَوْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ كِبَارًا وَهُمْ حُضُورٌ فَقِسْمَةُ الْوَصِيِّ مَعَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَارِثِ الْكَبِيرِ بَاطِلَةٌ فِي الْعَقَارِ وَفِي الْمَنْقُولِ جَمِيعًا فَإِنْ هَلَكَ نَصِيبُ الْوَارِثِ الْكَبِيرِ فِي يَدِ الْوَصِيِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ وَلَكِنْ يَرْجِعُونَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ ثُلُثَيْ مَا أَخَذَ إنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ قَائِمًا فِي يَدِهِ وَإِنْ هَلَكَ مَا أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ الْكَبِيرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمِنَ الْوَصِيُّ حِصَّتَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُوصَى لَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا وَهُمْ غُيَّبٌ فَقَاسَمَ الْوَصِيُّ مَعَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَأَخَذَ نَصِيبَ الْوَرَثَةِ فَقِسْمَتُهُ فِي الْعَقَارِ بَاطِلَةٌ، وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- فِي هَذِهِ الصُّورَةِ خِلَافًا فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تَجُوزُ، وَأَمَّا فِي الْمَنْقُولِ فَتَجُوزُ قِسْمَتُهُ مَعَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَرَثَةِ، فَأَمَّا قِسْمَةُ الْوَصِيِّ مَعَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَالْوَرَثَةُ كِبَارٌ حُضُورٌ وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ وَالْعَقَارُ الْمَنْقُولُ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا، فَقَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ، وَعَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تَجُوزُ فَإِنْ هَلَكَتْ حِصَّةُ الْمُوصَى لَهُ فِي يَدَيْ الْوَصِيِّ وَبَقِيَ نَصِيبُ الْوَرَثَةِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ وَإِنْ هَلَكَتْ حِصَّةُ الْوَرَثَةِ فِي يَدِهِمْ وَهَلَكَتْ حِصَّةُ الْمُوصَى لَهُ فِي يَدِ الْوَصِيِّ أَيْضًا فَمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ مِنْ حِصَّةِ الْمُوصَى لَهُ فَالْوَصِيُّ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ وَمَا هَلَكَ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ مِنْ حِصَّةِ الْمُوصَى لَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَصِيَّ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَارِثَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَمَنْ أَوْصَى بِثَلْثِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا الْوَرَثَةُ إلَى الْقَاضِي فَقَسَّمَ وَالْمُوصَى لَهُ غَائِبٌ صَحَّتْ قِسْمَتُهُ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَرَثَةِ سَبِيلٌ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَصِيٌّ عِنْدَهُ أَلْفَانِ لِيَتِيمَيْنِ فَأَدْرَكَا فَدَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا أَلْفًا وَصَاحِبُ الْآخَرِ حَاضِرٌ وَجَحَدَ الْقَابِضُ الْقَبْضَ مِنْهُ يَغْرَمُ الْوَصِيُّ خَمْسَمِائَةٍ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ غَائِبًا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ بِدَفْعِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ مُقِرًّا لَهُ كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْوَصِيَّ وَرَجَعَ بِهَا الْوَصِيُّ.
وَصِيٌّ لِلْيَتِيمَيْنِ قَالَ: لَهُمَا بَعْدَمَا كَبُرَا قَدْ دَفَعْت إلَيْكُمَا أَلْفًا فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ يَرْجِعُ الْمُنْكِرُ عَلَى أَخِيهِ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ أَنْكَرَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَلَى الْوَصِيِّ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: دَفَعْتُ إلَى كُلِّ وَاحِدِ مِنْكُمَا خَمْسَمِائَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ وَرَجَعَ الْمُكَذِّبُ عَلَى الْوَصِيِّ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِمَا.
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَلَمَّا أَدْرَكَا طَلَبًا مِيرَاثَهُمَا فَقَالَ الْوَصِيُّ: جَمِيعُ تَرِكَةِ أَبِيكُمَا أَلْفٌ وَقَدْ أَنْفَقْت عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا خَمْسَمِائَةٍ فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ يَرْجِعُ الْمُكَذِّبُ عَلَى الْمُصَدِّقُ بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ عِنْدَ زُفَرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ يَرْجِعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَصِيُّ الْأُمِّ يُقَاسِمُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ مَنْقُولَاتِهِ الَّتِي وَرِثَهَا مِنْ الْأُمِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ أَبٌ وَلَا وَصِيُّ الْأَبِ، أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يُقَاسِمُ هُوَ وَلَا يَمْلِكُ قِسْمَةَ عَقَارَاتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا يَمْلِكُ قِسْمَةَ مَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ مِنْ غَيْرِ الْأُمِّ- الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ وَمَا عَرَفْت مِنْ الْجَوَابِ فِي وَصِيِّ الْأُمِّ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي وَصِيِّ الْأَخِ وَالْعَمِّ.
وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ قَسَّمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَعَزَلَ نَصِيبَ كُلِّ إنْسَانٍ فَهَذَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونُ الْوَرَثَةُ صِغَارًا كُلُّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ كَبِيرٌ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ أَصْلًا وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا قَسَّمَ مَالَ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَلَيْسَ فِيهِمْ كِبَارٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، قَالُوا: وَالْحِيلَةُ لِلْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ اثْنَيْنِ أَنْ يَبِيعَ الْوَصِيُّ حِصَّةَ أَحَدِ الصَّغِيرَيْنِ مُشَاعًا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ يُقَاسِمُ مَعَ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ نَصِيبَهُ ثُمَّ يَشْتَرِي حِصَّةَ الصَّغِيرِ الَّذِي بَاعَ نَصِيبَهُ حَتَّى يَمْتَازَ حَقُّ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَحِيلَةٌ أُخْرَى أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُمَا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرِزًا.
(الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ حُضُورٌ وَبَعْضُهُمْ غُيَّبٌ فَقَاسَمَ الْحُضُورَ وَأَفْرَزَ نَصِيبَهُمْ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ وَمُرَادُهُ إنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عُرُوضًا وَأَمَّا فِي الْعَقَارِ فَلَيْسَ يَجُوزُ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ.
(الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا وَكِبَارًا وَالْكِبَارُ غُيَّبٌ فَإِنَّهُ تَجُوزُ قِسْمَتُهُ.
(الرَّابِعُ) إذَا كَانُوا صِغَارًا وَكِبَارًا فَعَزَلَ نَصِيبَ الْكِبَارِ وَهُمْ حُضُورٌ فَدَفَعَهُ إلَيْهِمْ وَعَزَلَ نَصِيبَ الصِّغَارِ جُمْلَةً وَلَمْ يُفْرِزْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّغَارِ جَازَ.
(الْخَامِسُ) إذَا عَزَلَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ وَقَسَّمَ بَيْنَ الْكُلِّ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْكُلِّ فَاسِدَةٌ، فَأَمَّا إذَا دَفَعَ إلَى الْكِبَارِ نَصِيبَهُمْ وَأَمْسَكَ حِصَّةَ الصِّغَارِ جُمْلَةً ثُمَّ قَسَّمَ حِصَّةَ الصِّغَارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ صَحِيحَةٌ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ صِغَارًا وَالْبَعْضُ كِبَارًا وَأَحَدُ الْكِبَارِ وَصِيُّ الصِّغَارِ وَأَرَادُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّ الْوَصِيَّ يُقَسِّمُ بَيْنَ الْكِبَارِ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الصِّغَارِ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ نَصِيبِ الصِّغَارِ ثُمَّ يَبِيعُ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ثُمَّ يُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الصِّغَارِ، ثُمَّ يَشْتَرِي نَصِيبَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْمُشْتَرِي فَتَتَحَقَّقُ الْقِسْمَةُ بَيْنَ الْكُلِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيُّ الْأَبِ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دِينٌ أَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ مِنْ الْمَتَاعِ وَالْعَرُوضِ وَالْعَقَارِ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا، أَمَّا بَيْعُ مَا سِوَى الْعَقَارِ فَلِأَنَّ مَا سِوَى الْعَقَارِ يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَعَسَى يَكُونُ حِفْظُ الثَّمَنِ أَيْسَرَ وَيَبِيعُ الْعَقَارَ أَيْضًا فِي جَوَابِ الْكِتَابِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ السَّلَفِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَجَوَابُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِنْ ثَمَنِ الْعَقَارِ أَوْ يَكُونُ لِلصَّغِيرِ حَاجَةٌ إلَى ثَمَنِ الْعَقَارِ أَوْ يَرْغَبُ الْمُشْتَرِي فِي شِرَائِهِ بِضَعْفِ الْقِيمَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْكَافِي.
أَوْ يَكُونُ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ يُحْتَاجُ فِي تَنْفِيذِهَا إلَى ثَمَنِ الْعَقَارِ أَوْ يَكُونُ بَيْعُ الْعَقَارِ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ بِأَنْ كَانَ خَرَاجُهَا وَمُؤَنُهَا يَرْبُو عَلَى غَلَّاتِهَا أَوْ كَانَ الْعَقَارُ حَانُوتًا أَوْ دَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ وَيَتَدَاعَى إلَى الْخَرَابِ فَإِنْ وَقَعَتْ الْحَاجَةُ لِلصَّغِيرِ إلَى أَدَاءِ خَرَاجِهَا فَإِنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مَعَ الْعَقَارِ عَرُوضٌ يَبِيعُ مَا سِوَى الْعَقَارِ فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ لَا تَنْدَفِعُ بِمَا سِوَى الْعَقَارِ حِينَئِذٍ يَبِيعُ الْعَقَارَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يُتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى الْوَصِيُّ شَيْئًا لِلْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ هَذَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ صِغَارًا وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ كِبَارًا وَهُمْ حُضُورٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا بِأَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ غُيَّبًا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَصِيِّ الْعَقَارَ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا سِوَى الْعَقَارِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ وَبَيْعُ الْعَرُوضِ يَكُونُ مِنْ الْحِفْظِ أَمَّا الْعَقَارُ فَمَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ يَهْلِكُ لَوْ لَمْ يُبَعْ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْعَقَارُ بِمَنْزِلَةِ الْعَرُوضِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ غَائِبٌ وَالْبَاقِي حُضُورٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ نَصِيبِ الْغَائِبِ مِمَّا سِوَى الْعَقَارِ لِأَجْلِ الْحِفْظِ عِنْدَ الْكُلِّ فَإِذَا جَازَ بَيْعُهُ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ عِنْدَ الْكُلِّ جَازَ بَيْعُهُ فِي نَصِيبِ الْحَاضِرِ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي نَصِيبِ الْحَاضِرِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ.
كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ إنْ كَانَ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ بِيعَ كُلُّ التَّرِكَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِيعَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ بِيعَ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ مُرْسَلَةٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِقَدْرِ مَا يُنْفِذُ الْوَصِيَّةَ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِذَا مَلَكَ بَيْعَ الْبَعْضِ يَمْلِكُ بَيْعَ الْبَاقِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَهُمَا لَا يَمْلِكُ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي كِبَارٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ دَيْنٌ وَلَا وَصِيَّةٌ وَالتَّرِكَةُ عُرُوضٌ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ نَصِيبِ الصَّغِيرِ وَعِنْدَ الْكُلِّ وَيَمْلِكُ بَيْعَ الْبَاقِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَإِذَا بَاعَ الْكُلَّ جَازَ بَيْعُهُ فِي الْكُلِّ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي نَصِيبِ الْكِبَارِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا ثَبَتَ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ بَعْضِ التَّرِكَةِ ثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ بَيْعِ الْكُلِّ.
وَوَصِيُّ الْأَبِ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الْجَدِّ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الْأَبِ وَوَصِيُّ وَصِيِّ الْجَدِّ بِمَنْزِلَةِ وَصِيّ الْجَدِّ وَوَصِيُّ وَصِيِّ الْقَاضِي يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الْقَاضِي إذَا كَانَ عَامًّا، وَأَمَّا وَصِيُّ الْأُمِّ وَوَصِيُّ الْأَخِ إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ وَتَرَكَتْ ابْنًا صَغِيرًا وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ أَوْ مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَخًا صَغِيرًا وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الْوَصِيِّ فِيمَا سِوَى الْعَقَارِ مِنْ تَرِكَةِ هَذَا الْمَيِّتِ وَلَا يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَقَارِ وَلَا يَجُوزُ لِهَذَا الْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لِلصَّغِيرِ إلَّا الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ حِفْظِ الصَّغِيرِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَصِيُّ الْأُمِّ لَا يَمْلِكُ عَلَى الصَّغِيرِ بَيْعَ مَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ مِنْ الْأَبِ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ وَالْمَشْغُولُ بِالدَّيْنِ وَالْخَالِي عَنْ الدَّيْنِ عَلَى السَّوَاءِ وَمَا كَانَ مَوْرُوثًا لِلصَّغِيرِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ إنْ كَانَ خَالِيًا عَنْ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ يَبِيعُ الْمَنْقُولَ وَلَا يَبِيعُ الْعَقَارَ، وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ أَوْ بِالْوَصِيَّةِ إنْ كَانَ الدِّينُ مُسْتَغْرِقًا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ وَدَخَلَ بَيْعُ الْعَقَارِ تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُسْتَغْرَقًا يَبِيعُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَهَلْ يَبِيعُ الزِّيَادَةَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ؟ فَعَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَرَّ قَبْلَ هَذَا وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْته وَصِيِّ الْأُمِّ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي وَصِيِّ الْأَخِ وَالْعَمِّ.
وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ كِبَارًا كُلُّهُمْ فَإِنْ كَانُوا حُضُورًا أَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ خَالِيَةً عَنْ الدَّيْنِ فَوَصِيُّ الْأُمِّ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ، فَالْجَوَابُ فِي وَصِيِّ الْأُمِّ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي وَصِيِّ الْأَبِ فِيمَا فِيهِ اتِّفَاقٌ وَفِيمَا فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ صِغَارًا وَكِبَارًا وَالْكِبَارُ غُيَّبٌ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ خَالِيَةً عَنْ الدَّيْنِ فَوَصِيُّ الْأُمِّ يَبِيعُ الْمَنْقُولَ مِنْ تَرِكَةِ الْأُمِّ حِصَّةَ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ جَمِيعًا وَلَا يَبِيعُ الْعَقَارَ مِنْ تَرِكَتِهَا، حِصَّةُ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَشْغُولَةً بِالدَّيْنِ فَالْجَوَابُ فِي وَصِيِّ الْأُمُّ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي وَصِيِّ الْأَبِ.
وَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ حُضُورًا وَالتَّرِكَةُ خَالِيَةً عَنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَبِيعُ حِصَّةَ الصِّغَارِ مِنْ الْمَنْقُولِ مِنْ تَرِكَتِهَا، وَهَلْ يَبِيعُ حِصَّةَ الْكِبَارِ مِنْ الْمَنْقُولِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ فَلَا يَبِيعُ الْعَقَارَ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَشْغُولَةً بِالْوَصِيَّةِ أَوْ بِالدَّيْنِ إنْ كَانَتْ مُسْتَغْرِقَةً فَإِنَّهُ يَبِيعُ الْعَقَارَ وَالْمَنْقُولَ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةً يَبِيعُ الْمَنْقُولَ جَمِيعًا وَيَبِيعُ الْعَقَارَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ إجْمَاعًا وَفِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
الْأَصْلُ أَنَّ وِلَايَةَ الْوَصِيِّ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ وِلَايَةِ الْمُوصِي وَأَنَّ وِلَايَةَ الْحِفْظِ تَبَعٌ لِوِلَايَةِ التَّصَرُّفِ.
أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ وَلَدًا فَادَّعَيَاهُ مَعًا وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا فَعَتَقَتْ الْأَمَةُ وَمَاتَتْ وَتَرَكَتْ مَالًا وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ فَالْوِلَايَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَمَالِهِ لِأَبَوَيْهِ دُونَ وَصِيِّهَا؛ لِأَنَّ وَصِيَّ الْأُمِّ كَالْأُمِّ وَلَيْسَ لَهَا وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فَكَذَا لَيْسَ لِوَصِيِّهَا وَلَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِوِلَايَةِ التَّصَرُّفِ حَتَّى لَوْ غَابَ الْوَالِدَانِ يَظْهَرُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ لِوَصِيِّ الْأُمِّ فَيَمْلِكُ بَيْعَ الْعَرُوضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ.
كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَكِنْ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ فِيمَا وَرِثَهُ الصَّغِيرُ مِنْ الْأُمِّ وَفِيمَا كَانَ لِلصَّغِيرِ قَبْلَ مَوْتِ الْأُمِّ لَا فِيمَا يَحْدُثُ لِلصَّغِيرِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَمَا يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ كُلِّ تَصَرُّفٍ هُوَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ نَحْوَ بَيْعِ الْمَنْقُولِ وَبَيْعِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَإِنْ غَابَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَ هَذَا الصَّغِيرِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَالْوَالِدُ الْآخَرُ حَاضِرٌ فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلصَّغِيرِ وَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَتَيْنِ لِلْأَبِ الثَّانِي لَا لِوَصِيِّ الْوَالِدِ الْمَيِّتِ وَلَا لِوَصِيِّ الْأُمِّ قَالَ: وَلَا يَضُمُّ الْقَاضِي إلَى الْوَالِدِ الْبَاقِي وَصِيًّا لِيَتَصَرَّفَ مَعَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ الْبَاقِي غَائِبًا كَانَ لِوَصِيِّ الْأُمُّ حِفْظُ مَا تَرَكَتْهُ الْأُمُّ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّ الْأُمِّ قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ، وَقَدْ كَانَ لِلْأُمِّ حِفْظُ مَالِ الصَّغِيرِ حَالَ غِيبَةِ الْوَالِدِ فَكَذَا لِمَنْ قَامَ مَقَامَهَا وَكَانَ لِوَصِيِّ الْوَالِدِ الْمَيِّتِ حِفْظُ مَا تَرَكَهُ الْوَالِدُ الْمَيِّتُ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ.
وَإِنْ مَاتَ الْوَالِدُ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ فَوَصِيُّهُ يَكُونُ أَوْلَى مِنْ وَصِيِّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا وَمِنْ وَصِيِّ الْأُمِّ فَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَبٌ هُوَ جَدُّ هَذَا الْغُلَامِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَوَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا أَوْلَى بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِلْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا أَبٌ هُوَ جَدُّ هَذَا الْغُلَامِ كَانَ وَصِيُّهُ أَوْلَى مِنْ أَبِيهِ، وَإِنْ مَاتَ وَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا وَأَوْصَى إلَى غَيْرِهِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَوَصِيُّهُ أَوْلَى مِمَّنْ سَمَّيْنَاهُ، وَإِنْ مَاتَ وَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي مَاتَ آخِرًا وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ أَوْ كَانَ الْأَبُ الَّذِي مَاتَ آخِرًا لَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَقَدْ تَرَكَ الْأَبُ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَبَا جَدِّ هَذَا الْغُلَامِ وَوَصِيًّا، فَإِنَّ أَبَا الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا أَوْلَى مِنْ وَصِيِّهِ فَإِنْ كَانَ مَاتَ الْوَالِدَانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبٌ وَأَوْصَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى رَجُلٍ إنْ لَمْ يَعْرِفْ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا مِنْ الَّذِي مَاتَ آخِرًا فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِلْوَصِيَّيْنِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْرِفْ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا مِنْ الَّذِي مَاتَ آخِرًا يَجْعَلُ كَأَنَّهُمَا مَاتَا مَعًا، وَلَوْ مَاتَا مَعًا كَانَتْ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِلْوَصِيَّيْنِ.
وَإِنْ عَرَفَ الَّذِي مَاتَ أَوَّلًا مِنْ الَّذِي مَاتَ آخِرًا فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِوَصِيِّ الَّذِي مَاتَ آخِرًا.
وَإِنْ مَاتَ هَذَا الْوَصِيُّ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَمَاتَ الْأَبُ الَّذِي عُرِفَ مَوْتُهُ آخِرًا وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَوِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ لِلْجَدَّيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَوْلَادًا صِغَارًا وَأَبَا وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ كَانَ الْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ فِي حِفْظِ التَّرِكَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا أَيَّ تَصَرُّفٍ كَانَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَإِنَّ الْأَبَ وَهُوَ جَدُّ الصِّغَارِ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ التَّرِكَةِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا أَذِنَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ الْمُرَاهِقِ الَّذِي يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فَتَصَرَّفَ الِابْنُ تَصَرُّفًا وَرَكِبَتْهُ الدُّيُونُ ثُمَّ مَاتَ هَذَا الِابْنُ وَتَرَكَ أَبًا فَإِنَّ الْأَبَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي تَرِكَتِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَصِيُّ الْمَيِّتِ إذَا بَاعَ التَّرِكَةَ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ غَيْرُ مُحِيطٍ جَازَ بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَلَكِنْ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ فَبَاعَ الْقَاضِي كُلَّ التَّرِكَةِ نَفَذَ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بَيْنَ الْوَصِيِّ وَأَبِي الْمَيِّتِ فَقَالَ: لِوَصِيِّ الْمَيِّتِ أَنْ يَبِيعَ التَّرِكَةَ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا أَبُو الْمَيِّتِ وَهُوَ جَدُّ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ التَّرِكَةَ عَلَى الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ لِوَلَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ التَّرِكَةَ عَلَى الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ لِوَلَدِهِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ فَائِدَةٌ تُحْفَظُ مِنْ الْخَصَّافِ وَأَمَّا مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَأَقَامَ الْجَدَّ مَقَامَ الْأَبِ، قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ وَصِيًّا وَأَبَا كَانَ الْوَصِيُّ أَوْلَى مِنْ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ فَالْأَبُ أَوْلَى ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ قَالَ: فَوَصِيُّ الْجَدِّ ثُمَّ وَصِيُّ الْقَاضِي.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بِقَوْلِ الْخَصَّافِ يُفْتِي صَغِيرٌ وَرِثَ مَالًا وَلَهُ أَبٌ مُسْرِفٌ مُبَذِّرٌ مُسْتَحَقٌّ لِلْحَجَرِ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْحَجَرَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ فِي الْمَالِ لِلْأَبِ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي شَرْحِ أَدَبِ الْقَاضِي إذَا نَصَّبَ الْقَاضِي وَصِيًّا لِلْيَتِيمِ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ كَانَ وَصِيُّ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ وَصِيِّ الْأَبِ إذَا جَعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا عَامًّا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، فَإِنْ جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي نَوْعٍ وَاحِدٍ كَانَ وَصِيًّا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ خَاصَّةً بِخِلَافِ وَصِيِّ الْأَبِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ.
إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ فِي نَوْعٍ كَانَ وَصِيًّا فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِالنَّسِيئَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْيَتِيمِ بِأَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْجُحُودُ وَالْمَنْعُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا عَلَى الْيَتِيمِ بِأَنْ كَانَ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْجُحُودُ وَالْمَنْعُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ يَجُوزُ؛ وَعَلَى هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا اسْتَبَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا مِنْ مَالٍ الْيَتِيمِ بِأَلْفٍ وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ وَالْأَوَّلُ أَمْلَى؛ يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي لَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْجُحُودُ وَالْمَنْعُ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْيَتِيمِ دَارٌ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا كُلَّ شَهْرٍ بِثَمَانِيَةٍ وَالْآخَرُ بِعَشَرَةِ وَاَلَّذِي يَسْتَأْجِرُهَا بِثَمَانِيَةٍ أَمْلَى يَنْبَغِي أَنْ يُؤَاجِرَ مِنْهُ، وَعَلَى هَذَا مُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ وَجَمِيعُ أُمَنَاءِ الْأَوْقَافِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَصِيٌّ بَاعَ ضَيْعَةً لِلْيَتِيمِ مِنْ مُفْلِسٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ رَغْبَةٍ فَالْقَاضِي يُؤَجِّلُ الْمُشْتَرِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَوْفَى الثَّمَنَ وَإِلَّا يَنْفُضْ الْبَيْعَ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ الْوَصِيِّ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْوَصِيِّ مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ يَكُونُ اسْتِهْلَاكًا إلَّا أَنَّهُ إنْ أَدَّى الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ الْآنَ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ نَاظِرًا خُصُوصًا لِلصِّغَارِ وَتَمَامُ النَّظَرِ فِيمَا قُلْنَا.
وَصِيٌّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ إنْ أَخْبَرَهُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ أَنَّهُ بَاعَ بِقِيمَةٍ وَأَنَّ قِيمَتَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلْتَفِتُ إلَى مَنْ يَزِيدُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُزَايَدَةِ يَشْتَرِي بِأَكْثَرَ وَفِي السُّوقِ بِأَقَلَّ لَا يَنْقُضْ بَيْعَ الْوَصِيِّ لِأَجْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ فَإِنْ اُجْتُمِعَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمْ فَقَوْلُ الْوَاحِدِ يَكْفِي كَمَا فِي التَّرِكَةِ وَنَحْوِهَا.
وَعَلَى هَذَا قَيِّمُ الْوَقْفِ إذَا آجَرَ مُسْتَغِلَّ الْوَقْفِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَيَزِيدُ فِي الْأَجْرِ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَصِيٌّ بَاعَ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ لِإِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ فَرَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي وَحَلَّفَهُ فَحَلَفَ وَالْوَصِيُّ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْوَصِيِّ: إنْ كُنْت صَادِقًا فَقَدْ فَسَخْت الْبَيْعَ بَيْنَكُمَا فَيَجُوزُ مِثْلُ هَذَا الْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمُخَاطَرَةِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى فَسْخِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَوْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الْخُصُومَةِ بَعْدَمَا جَحَدَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ صَارَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقَالَةِ فَيَلْزَمُ الْمَبِيعُ الْوَصِيَّ كَمَا لَوْ تَقَايَلَا حَقِيقَةً وَإِذَا فَسَخَ الْقَاضِي بَيْعَهُمَا لَا يَلْزَمُ بَلْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- رَجُلٌ مَاتَ وَقَدْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَخَلَّفَ صُنُوفًا مِنْ الْعَقَارَاتِ وَالْوَصِيُّ يَبِيعُ صِنْفًا لِلْوَصِيَّةِ فَلِلْوَارِثِ أَنْ لَا يَرْضَى إلَّا أَنْ يَبِيعَ.
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الثُّلُثَ مِمَّا يُمْكِنُ يَبِيعُ الثُّلُثَ مِنْهُ.
وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ امْرَأَةٍ أَوْصَتْ أَنْ يُبَاعَ ضَيَاعُهَا وَيُصْرَفَ ثُلُثُ ثَمَنِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ إنَّهَا مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ وَرَثَةً كِبَارًا فَأَرَادَ الْوَصِيُّ بَيْعَ جَمِيعِ الضَّيْعَةِ وَأَبَى الْوَرَثَةُ إلَّا مِقْدَارَ الْوَصِيَّةِ قَالَ: إنْ كَانَ الثُّلُثُ يُشْتَرَى بِالْوَكْسِ وَيُدْخِلُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى أَهْلِ الْوَصِيَّةِ الضَّرَرَ فَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ الْكُلَّ وَإِلَّا فَلَا يَبِيعُ إلَّا بِمِقْدَارِ الْوَصِيَّةِ.
وَكَانَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يُفْتِي بِهَذَا وَكَأَنَّهُ كَانَ يُفْتِي عِنْدَ دُخُولِ الضَّرَرِ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَعِنْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ بِقَوْلِهِمَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قَالَ: وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَالِ الْيَتِيمِ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْيَتِيمِ أَوْ الْمَيِّتِ فَإِنْ فَعَلَ وَرَبِحَ يَضْمَنُ رَأْسَ الْمَالِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى-، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
لِلْوَصِيِّ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةً وَأَنْ يُشَارِكَ بِهِ غَيْرَهُ وَأَنْ يُبْضِعَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ آجَرَ بَعْضَ التَّرِكَةِ إجَارَةً طَوِيلَةً لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ.
مَدْيُونٌ مَاتَ وَأَوْصَى فَغَابَ الْوَصِيُّ فَعَمَدَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَبَاعَ تَرِكَتَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ وَأَنْفَذَ وَصَايَاهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، هَذَا إذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرِقَةً بِالدَّيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَغْرِقَةً نَفَذَ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ فِي حِصَّتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بَيْتًا مُعَيَّنًا مِنْ الدَّارِ.
وَارِثٌ كَبِيرٌ بَاعَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أَوْ مِنْ عَقَارِهِ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَوَصَايَا فَأَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَرُدَّ بَيْعَهُ، إنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُنْفِذَ مِنْهُ الْوَصَايَا وَيَقْضِيَ الدَّيْنَ لَا يُرَدُّ الْبَيْعُ.
مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَبِنْتٍ وَأَخٍ فَأَوْصَتْ إلَى الْأَخ فَقَبِلَ وَصِيَّتَهَا ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يُنَفِّذَ وَصِيَّتَهَا أَوْ يَقْضِيَ دَيْنَهَا اشْتَرَى نَصِيبَ الزَّوْجِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْعَقَارِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَالْمُشْتَرِي عَرَفَ ذَلِكَ إنْ أَنْفَذَ الْوَصَايَا قَبْلَ أَنْ يَخْتَصِمُوا جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ حَتَّى اخْتَصَمُوا إلَى الْقَاضِي أَبْطَلَ بَيْعُهُ وَبَدَأَ بِدُيُونِ الْمَيِّتِ وَوَصَايَاهُ ثُمَّ الْمِيرَاثِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
مَدْيُونٌ أَوْصَى بِوَصَايَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَخَلَّفَ دَارًا وَلَا يَقْدِرُ الْوَصِيُّ عَلَى إنْفَاذِ وَصَايَاهُ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ الَّتِي عَلَيْهِ إلَّا مِنْ ثَمَنِ الدَّارِ، وَالْوَارِثُ لَا يَرْضَى بِبَيْعِ جَمِيعِ الدَّارِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الدَّارِ أَوْ عَلَى عَامَّتِهَا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهَا إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا لَا يَسْعَهُ إلَّا ذَلِكَ إنْ عَلِمَ أَنَّ الدَّيْنَ يَبْقَى عَلَى الْمَيِّتِ طَوِيلًا إنْ لَمْ يَبِعْ وَأَهْلُ الْوَصَايَا شُرَكَاءُ الْوَارِثِ الْوَصِيِّ إذَا أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
فَإِنْ أَقْرَضَ كَانَ ضَامِنًا وَالْقَاضِي يَمْلِكُ الْإِقْرَاضَ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْأَبِ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَبَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي.
وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ أَوْ الْأَبُ مَالَ الْيَتِيمِ بِدَيْنِ نَفْسِهِ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ فِي الِاسْتِحْسَانِ.
وَلَوْ قَضَى الْوَصِيُّ دَيْنَ نَفْسِهِ بِمَالِ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ فَعَلَ الْأَبُ ذَلِكَ جَازَ وَصِيٌّ احْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ إنْ كَانَ الثَّانِي أَمْلَى مِنْ الْأَوَّلِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْوَصِيُّ إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِدَيْنِ نَفْسِهِ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- يَجُوزُ وَيَصِيرُ الثَّمَنُ قِصَاصًا بِدَيْنِهِ وَيَصِيرُ هُوَ ضَامِنًا لِلصَّغِيرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا رَهَنَ مَالَ الْيَتِيمِ بِدَيْنٍ اسْتَدَانَهُ عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ إنَّ الْوَصِيَّ اسْتَعَارَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِحَاجَةِ الْيَتِيمِ فَضَاعَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْيَتِيمِ بِحَالِهِ يُطَالَبُ بِهِ الْوَصِيُّ.
وَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ قَدْ غَصَبَ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي حَاجَةِ الصَّغِيرِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ الْوَصِيُّ قِيمَتَهُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِحَقِّ الْيَتِيمِ، وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ الْغَصْبِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ ضَمِنَ لِحَقِّهِمَا حَتَّى أَنَّ فِي الْفَصْل الْأَوَّلِ إذَا أَدَّى دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ بِمَا ضَمِنَ رَجَعَ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي لَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ.
وَإِنْ غَصَبَ الْوَصِيُّ عَبْدًا لِرَجُلٍ وَاسْتَعْمَلَهُ فِي حَاجَةِ الصَّغِيرِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ هَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؟ لَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ.
وَإِذَا آجَرَ الْوَصِيُّ الصَّبِيَّ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَا إذَا آجَرَ عَبْدًا لِلصَّغِيرِ أَوْ مَالًا آخَرَ لِلصَّغِيرِ فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ بَلَغَ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ الَّتِي عَقَدَهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ الَّتِي عَقَدَهَا عَلَى مَالِهِ الْوَصِيُّ إذَا اسْتَأْجَرَ لِلْيَتِيمِ أَجِيرًا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ.
ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي شَرْحِ السِّيَرِ أَنَّ الْوَصِيَّ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِنَفْسِهِ وَيَجِبُ جَمِيعُ الْأَجْرِ فِي مَالِهِ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَقَعُ لِلصَّغِيرِ وَلَكِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ إذَا عُمِلَ وَالْفَضْلُ يُرَدُّ عَلَى الصَّغِيرِ الْوَصِيُّ إذَا أَجَّرَ مَنْزِلًا لِلصَّغِيرِ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ أَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجَرُ أَجْرَ الْمِثْلِ أَمْ يَصِيرُ غَاصِبًا لِلسُّكْنَى فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَجْرُ بِالسُّكْنَى.
قَالَ الْفَضْلِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي فَتَاوَاهُ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ أَنْ يَصِيرَ غَاصِبًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَجْرُ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ لَا يَكُونُ غَاصِبًا وَيَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ قِيلَ لَهُ: أَتُفْتِي بِمَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَرَأَيْت فِي نُسَخٍ أُخَرَ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ بِكَمَالِهِ وَلَوْ كَانَ سَمَّى فِيهِ الْأَجْرَ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- مَنْ يُفْتِي بِوُجُوبِ أَجْرِ الْمِثْلِ إلَّا إذَا كَانَ النُّقْصَانُ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ النُّقْصَانُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ مِنْ الْيَتِيمِ بِخِلَافِ الْأَبِ فَإِنَّهُ لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ اسْتَأْجَرَ الصَّبِيُّ لِنَفْسِهِ يَجُوزُ، كَذَا ذَكَرِ الْقُدُورِيُّ، وَكَذَا أَجَابَ الْفَضْلِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا آجَرَ نَفْسَهُ أَوْ آجَرَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْيَتِيمِ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ السُّغْدِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَوْ آجَرَ الْوَصِيُّ أَوْ الْأَبُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْيَتِيمِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَهَبَ مَالَ الْيَتِيمِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَلَوْ وَهَبَ إنْسَانٌ لِلصَّغِيرِ فَعَوَّضَ الْأَبُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ لَا يَجُوزُ وَيَبْقَى لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَوَّضَ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي وَصِيٍّ يَتِيمٍ بَاعَ غُلَامًا لِلْيَتِيمِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ بِالْخِيَارِ فَازْدَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَصَارَتْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُنْفِذَ الْبَيْعَ، قَالَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى-.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَيْضًا وَصِيٌّ بَاعَ عَبْدًا لِلصَّغِيرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَبَلَغَ الْغُلَامُ فِي الثَّلَاثِ ثُمَّ تَمَّتْ الثَّلَاثُ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَصِيُّ الْبَيْعَ فِي الثَّلَاثِ أَوْ مَاتَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُجِيزَهُ الْغُلَامُ.
وَلَوْ أَنَّ وَصِيَّ يَتِيمٍ بَاعَ عَبْدًا لِلْيَتِيمِ وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ الْيَتِيمُ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ جَازَ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ وَعَلَّلَ فَقَالَ: لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وَقَعَ لِلصَّغِيرِ.
وَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ عَبْدًا لِلْيَتِيمِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْوَصِيِّ فَأَدْرَكَ الْيَتِيمُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَمَّ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الْخِيَارُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وَلَوْ اشْتَرَى الْوَصِيُّ جَارِيَةً لِلصَّغِيرِ ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ فَاطَّلَعَ الْوَصِيُّ عَلَى عَيْبٍ وَرَضِيَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُ الْيَتِيمُ عَنْ الْوِصَايَةِ أَوْ بَعْدَمَا نَهَاهُ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَإِنْ اشْتَرَى الْوَصِيُّ عَبْدًا لِلْيَتِيمِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَكَبِرَ الْيَتِيمُ فِي الثَّلَاثِ ثُمَّ أَجَازَ الْوَصِيُّ الْبَيْعَ فَالْيَتِيمُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَلْزَمَهُ الْوَصِيَّ فَإِنْ لَمْ يُجِزْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ الْوَصِيُّ بَعْدَمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَالْيَتِيمُ عَلَى خِيَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْوَصِيُّ وَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَصِيِّ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ بَعْدَ مُضِيِّهِ أَوْ مَاتَ الْيَتِيمُ فِي وَقْتِ الْخِيَارِ قَبْلَ رِضَا الْوَصِيِّ بِالْمُشْتَرِي أَوْ بَعْدَهُ فَالشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْيَتِيمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَأَدْرَكَ فَأَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ الثَّمَنِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا كَانَ مُصْلِحًا غَيْرَ مُفْسِدٍ، وَقَالَ: أَنْتَ بَرِيءٌ مِمَّا أَبْرَأَكَ وَصِيِّي مِنْ مَالِي جَازَ وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ بَرِيءٌ مِمَّا عَلَيْك- لَا يَبْرَأْ.
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا الْخِلَافُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- وَلَا نَأْخُذُ بِهِ بَلْ يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي بِإِبْرَاءِ الصَّبِيِّ بَعْدَمَا بَلَغَ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَإِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ بَاعَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ الْيَتِيمِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْيَتِيمِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَأَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلّ حَالٍ، وَتَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِي تَفْسِيرِ الْمَنْفَعَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بَعْضُهُمْ قَالَ: أَنْ يَبِيعَ مِنْ الصَّبِيِّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مَا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ بِثَمَانِمِائَةٍ وَيَبِيعَ مَالَ الصَّبِيِّ مِنْ نَفْسِهِ مَا يُسَاوِي ثَمَانَمِائَةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: أَنْ يَبِيعَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ مَا يُسَاوِي أَلْفًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَيَبِيعَ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ مِنْ نَفْسِهِ مَا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْفٍ، ثُمَّ إذَا جَازَ بَيْعُ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هَلْ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ: بِعْت أَوْ اشْتَرَيْت كَمَا فِي الْأَبِ أَوْ يَحْتَاجُ إلَى الشَّطْرَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ هَاهُنَا وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي وَاقِعَاتِهِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الشَّطْرَيْنِ بِخِلَافِ الْأَبِ وَصَبِيُّ الْيَتِيمَيْنِ إذَا بَاعَ مَالَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخِرِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ الْوَصِيُّ لَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مَالَهُ مِنْ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَكَذَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدَيْنِ لِيَتِيمَيْنِ بِالتَّصَرُّفِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مَالَهُ مِنْ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ إذَا أَذِنَ لِلصَّغِيرِ أَوْ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ صَحَّ الْإِذْنُ وَسُكُوتُهُمَا عِنْدَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَكُونُ إذْنًا فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ بَطَلَ الْإِذْنُ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَالْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ حَيٌّ لَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ وَلَوْ وَكَّلَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بِبَيْعِ مَالِ الصَّغِيرِ أَوْ بِالشِّرَاءِ لِلصَّغِيرِ فَمَاتَ الْأَبُ أَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ.
الْقَاضِي إذَا أَذِنَ لِلصَّغِيرِ أَوْ الْمَعْتُوهِ أَوْ لِعَبْدِهِمَا فِي التِّجَارَةِ صَحَّ، وَكَذَا لَوْ حَجَرَ عَلَى عَبْدٍ لِلْمَعْتُوهِ وَلَوْ رَأَى الْقَاضِي عَبْدًا لِلْمَعْتُوهِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا مِنْهُ.
الْقَاضِي إذَا رَأَى أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّغِيرِ أَوْ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَأَبَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ فَإِبَاؤُهُمَا يَكُونُ بَاطِلًا فَإِنْ حَجَرَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ بَعْدَ إذْنِ الْقَاضِي لَمْ يَصِحَّ حَجْرُهُمَا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ هَذَا الْقَاضِي لَا يَنْحَجِرُ إلَّا أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ آخَرَ حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ فَيَحْجُرُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ هَذَا الْقَاضِي مِثْلُ وِلَايَةِ الْأَوَّلِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَنَّ هَذَا الصَّبِيَّ بَاعَ مِنْ الْوَصِيِّ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لَا يَجُوزُ أَصْلًا كَمَا لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ بِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَعَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ وَرِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَةِ الْمَأْذُونِ إنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلصَّغِيرِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ لِلصَّغِيرِ لَا يَصِحَّ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
الْوَصِيُّ إذَا أَخَذَ أَرْضَ الْيَتِيمِ مُزَارَعَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى آخَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَصِيِّ جَازَ.
وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ أَوْ ضَمَانُ النُّقْصَانِ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ الْخَارِجِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْخَارِجِ خَيْرًا لَهُ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَدِّيَ صَدَقَةَ فِطْرِ الْيَتِيمِ بِمَالٍ وَأَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ إذَا كَانَ الْيَتِيمُ مُوسِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكُ إبْرَاءَ غَرِيمِ الْمَيِّتِ وَلَا أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ شَيْئًا وَلَا يُؤَجِّلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ وَاجِبًا بِعَقْدِهِ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا بِعَقْدِهِ صَحَّ الْحَطُّ وَالتَّأْجِيلُ وَالْإِبْرَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- وَيَكُونُ ضَامِنًا.
وَلَوْ صَالَحَ الْوَصِيُّ وَاحِدًا عَنْ دَيْنِ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْخَصْمُ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ أَوْ كَانَ الْقَاضِي عَلِمَ بِذَلِكَ الْحَقِّ لَا يَجُوزُ صُلْحُ الْوَصِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَقِّ بَيِّنَةٌ جَازَ صُلْحُ الْوَصِيِّ، وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى الْيَتِيمِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى حَقِّهِ أَوْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى لَهُ بِحَقِّهِ جَازَ صُلْحُ الْوَصِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى حَقِّهِ وَلَا قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ صُلْحُ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ طَمَعَ السُّلْطَانُ الْجَائِرُ أَوْ الْمُتَغَلِّبُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَأَخَذَ الْوَصِيُّ وَهَدَّدَهُ لِيَأْخُذَ بَعْضَ مَالِ الْيَتِيمِ، قَالَ نُصَيْرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَ فَإِنْ كَانَ أَعْطَى كَانَ ضَامِنًا.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ خَافَ الْوَصِيُّ الْقَتْلَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ إتْلَافَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ خَافَ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ مَالِ الْيَتِيمِ فَدَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ لَا يَضْمَنْ، وَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَيْدَ أَوْ الْحَبْسَ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بَعْضَ مَالِ الْوَصِيِّ وَيَبْقَى مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ لَا يَسْعَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ فَإِنْ دَفَعَ كَانَ ضَامِنًا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ فَلَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ أَوْ الْمُتَغَلِّبَ بَسَطَ يَدَهُ وَأَخَذَ الْمَالَ لَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.
وَصِيٌّ مَرَّ بِمَالِ الْيَتِيمِ عَلَى جَائِرٍ وَهُوَ يَخَافُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبَرَّهُ يَنْزِعُ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ فَبَرَّهُ بِمَالِ الْيَتِيمِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُضَارِبُ إذَا مَرَّ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَصْحَابِنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ لِلْأَوْصِيَاءِ الْمُصَانَعَةَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَاخْتِيَارُ أَبِي سَلَمَةَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَبِهِ يُفْتَى.
وَصِيٌّ أَنْفَقَ عَلَى بَابِ الْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ مَالُ الْيَتِيمِ فَأَعْطَى عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ لَا يَضْمَنُ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: لَا يَضْمَنُ مِقْدَارَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ وَمَا أَعْطَى عَلَى وَجْهِ الرِّشْوَةِ كَانَ ضَامِنًا، قَالُوا: بَذْلُ الْمَالِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَكُونُ رِشْوَةً فِي حَقِّهِ وَبَذْلُ الْمَالِ لِاسْتِخْرَاجِ حَقٍّ لَهُ عَلَى آخَر يَكُونُ رِشْوَةً.
رَجُلٌ مَاتَ وَأَوْصَى إلَى امْرَأَتِهِ وَتَرَكَ وَرَثَةً صِغَارًا فَنَزَلَ سُلْطَانٌ جَائِرٌ دَارِهِ فَقِيلَ لَهَا: إنْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا اسْتَوْلَى عَلَى الدَّارِ أَوْ الْعَقَارِ فَأَعْطَتْ شَيْئًا مِنْ الْعَقَارِ قَالُوا: تَجُوزُ مُصَانَعَتُهَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ فِي مَسَائِلِ الْمِيرَاثِ الْوَصِيُّ إذَا طُولِبَ بِجِبَايَةِ دَارِ الْيَتِيمِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ ازْدَادَتْ الْمُؤْنَةُ فَدَفَعَ مِنْ التَّرِكَةِ جِبَايَةَ دَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَكَانَ كَالْمُصَانَعَةِ.
سُئِلَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَمَّنْ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَتَيْنِ وَعُصْبَةً فَطَالَبَ السُّلْطَانُ التَّرِكَةَ فَغَرِمَ الْوَصِيُّ لِلسُّلْطَانِ دَرَاهِمَ حَتَّى تَرَكَ السُّلْطَانُ التَّعَرُّضَ كَانَ مَا أَعْطَى مِنْ نَصِيبَ الْعُصْبَةِ خَاصَّةً أَوْ مِنْ جَمِيعِ الْمِيرَاثِ، قَالَ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ الْوَصِيُّ عَلَى تَحْصِينِ التَّرِكَةِ إلَّا بِمَا غَرِمَ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى الْيَتِيمِ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَصْلُحُ لِذَلِكَ جَازَ وَيَكُونُ الْوَصِيُّ مَأْجُورًا، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَا بُدَّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ.
وَيَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي النَّفَقَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِسْرَافِ وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّضْيِيقِ وَذَلِكَ مُتَفَاوِتٌ بِقِلَّةِ مَالِ الصَّغِيرِ وَكَثْرَتِهِ وَاخْتِلَافِ حَالِهِ فَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ وَحَالِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا يَلِيقُ بِهِ.
وَصِيٌّ يَخْرُجُ فِي عَمَلِ الْيَتِيمِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِمَالِ الْيَتِيمِ لِيَرْكَبَ وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ اسْتِحْسَانًا، وَعَنْ نُصَيْرٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَرْكَبَ دَوَابَّهُ إذَا ذَهَبَ فِي حَوَائِجِ الْيَتِيمِ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ مُحْتَاجًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيَرْكَبَ دَابَّتَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَا يَسْعَى فِي مَالِهِ.
وَصِيٌّ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ لَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ جَازَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ قَالَ: لَوْ أَخَذَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ وَأَنْفَقَهُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ مَا أَنْفَقَ لَهُ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْيَتِيمُ فَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ شَيْئًا ثُمَّ يَقُولَ لِلشُّهُودِ: كَانَ لِلْيَتِيمِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا أَشْتَرِي هَذَا لَهُ- فَيَصِيرُ قِصَاصًا وَيَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَبَاعَ الْعَبْدَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَهَلَكَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ضَمِنَ الْوَصِيُّ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَصِيُّ فِي جَمِيعِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ هَلَكَتْ التَّرِكَةُ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ لَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَلَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
وَلَوْ قَسَّمَ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ ثُمَّ أَصَابَ صَغِيرًا مِنْ الْوَرَثَةِ عَبْدًا فَبَاعَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْعَبْدَ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَصِيِّ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ بِهِ فِي مَالِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ وَيَرْجِعُ الصَّغِيرُ بِحِصَّتِهِ عَلَى الْوَرَثَةِ لِبُطْلَانِ الْقِسْمَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَفِي يَدِهِ وَدَائِعُ لِقَوْمٍ شَتَّى وَتَرَكَ أَمْوَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ وَقَبَضَ الْوَصِيُّ الْوَدَائِعَ مِنْ مَنْزِلِ الْمَيِّتِ لِيَرُدَّهَا عَلَى أَصْحَابِهَا أَوْ قَبَضَ مَالَ الْمَيِّتِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَ الْمَيِّتِ فَهَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَقَبَضَ الْوَصِيُّ مَالَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَإِذَا أَمَرَ الْوَصِيُّ مُودِعَ الْمَيِّتِ بِأَنْ يَهَبَ الْوَدِيعَةَ أَوْ يُقْرِضَ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا فَفَعَلَ ضَمِنَ الْمُودَعُ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَى فُلَانٍ فَفَعَلَ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ مُضَارَبَةً إلَى فُلَانٍ أَوْ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ مُضَارَبَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
إذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ عَلَى الصِّغَارِ حَتَّى فَنِيَتْ التَّرِكَةُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَأَثْبَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَقَضَى بِذَلِكَ هَلْ لِهَذَا الْغَرِيمِ أَنْ يَضْمَنَ الْوَصِيُّ؟ لَا ذِكْرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكِتَابِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَإِذَا وَجَبَ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ بِقَضَاءٍ وَقَضَى الْوَصِيُّ ذَلِكَ ثُمَّ لَحِقَ الْمَيِّتَ بَعْدَ ذَلِكَ دَيْنٌ آخَرُ بِأَنْ كَانَ حَفَرَ بِئْرًا فِي حَالِ حَيَّاتِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهَا دَابَّةٌ حَتَّى صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ كَانَ بَاعَ الْمَيِّتُ سِلْعَةً فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ فَرَدَّهَا عَلَى الْوَصِيِّ؛ صَارَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ هَلْ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلثَّانِي شَيْئًا؟ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا دَفْعُ الْوَصِيِّ إلَى الْأَوَّلِ مَا دَفَعَ بِأَمْرِ الْقَاضِي، أَوْ دَفَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
فَإِنْ كَانَ دَفَعَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْقَاضِي وَلَكِنَّ الثَّانِيَ يَتْبَعُ الْأَوَّلَ فَيُشَارِكُهُ فِيمَا قَبَضَ بِقَدْرِ دَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فِي يَدِهِ يَضْمَنْ الْقَابِضُ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَقْبُوضِ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلثَّانِي.
وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ صَارَ دَافِعًا بَعْضَ حَقِّهِ إلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الدَّفْعِ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي هَذَا إذَا دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَى الْأَوَّلِ دَيْنَهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي، أَمَّا إذَا دَفَعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَ لِلثَّانِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَصِيُّ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَقْبُوضِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْقَاضِي فَإِذَا ضَمِنَ الْوَصِيُّ لِلثَّانِي حِصَّتَهُ مِمَّا دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ هَلْ يَرْجِعُ الْوَصِيُّ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْأَوَّلِ؟ فَإِنْ كَانَ زَعَمَ الْوَصِيُّ أَنَّ الثَّانِيَ مُبْطِلٌ فِي الدَّعْوَى وَفِيمَا أَقَامَ مِنْ الْبَيِّنَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُحِقٌّ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ دَيْنٌ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ وَلَكِنْ أَقَرَّ الْمَيِّتُ بَيْنَ يَدَيْ الْوَصِيِّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ كَذَا دِرْهَمًا، أَوْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِمُعَايَنَةِ الْوَصِيِّ بِأَنْ عَايَنَ أَنَّ الْمَيِّتَ حَالَ حَيَاتِهِ اسْتَهْلَكَ مَالَ إنْسَانٍ أَوْ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ مَالًا هَلْ يَسَعُ الْوَصِيُّ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الدَّيْنَ إذَا أَنْكَرَتْ الْوَرَثَةُ؟ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الدَّيْنَ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ لَا يَقْضِيَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا وَقَالَ: إنْ مِتُّ فَادْفَعْهُ إلَى ابْنِي، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ ضَمِنَ حِصَّتَهُ وَلَا يَكُونُ بِهَذَا وَصِيًّا، وَإِنْ قَالَ: ادْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ غَيْرِ وَارِثٍ ضَمِنَ إنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ.
مَرِيضٌ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ قَرَابَتُهُ يَأْكُلُونَ مِنْ مَالِهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ أَكَلُوا بِأَمْرِ الْمَرِيضِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ وَارِثًا ضَمِنَ وَمَنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ حَسَبَ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِهِ، قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ احْتَاجَ إلَى تُعَاهِدْهُمْ فِي مَرَضِهِ فَأَكَلُوا مَعَهُ وَمَعَ عِيَالِهِ بِغَيْرِ إسْرَافٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ اسْتِحْسَانًا.
رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَ وَصِيُّهُ رَقِيقَهُ لِلْغُرَمَاءِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ عِنْدَهُ أَوْ مَاتَ بَعْضُ الرَّقِيقِ فِي يَدِ الْوَصِيِّ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي فَالْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ وَيَرْجِعُ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ لَمْ يَرْجِعْ الْوَصِيُّ بِالثَّمَنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغُرَمَاءُ أَمَرُوهُ بِبَيْعِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ لَهُ: بِعْ رَقِيقَ فُلَانٍ الْمَيِّتِ وَاقْضِ دَيْنَنَا- لَمْ يَرْجِعْ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانُوا قَالُوا: بِعْ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا- يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَرُّوهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِمْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِمْ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَإِنَّهُ لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْوَصِيُّ: لَا أَبِعْهُ، ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ وَقَدْ ضَاعَ الثَّمَنُ- رَجَعَ بِهِ الْوَصِيُّ عَلَى الْغَرِيمِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَكِنَّ الْوَصِيَّ بَاعَ الرَّقِيقَ لِلْوَرَثَةِ الْكِبَارِ فَهُمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ.
وَلَوْ بَاعَ الْقَاضِي رَقِيقَ الْمَيِّتِ لِلْغُرَمَاءِ فَضَاعَ الثَّمَنُ عِنْدَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّقِيقَ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْغُرَمَاءِ لَا عَلَى الْقَاضِي.
رَجُلٌ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ ثُمَّ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَأَعْتَقَهُ الْوَصِيُّ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْفِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَلَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا لِأَيْتَامٍ جَنَى جِنَايَةً كَانَ لِوَصِيِّهِمْ أَنْ يَخْتَارَ لَهُمْ إمْسَاكَ الْعَبْدِ وَيَدْفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ مَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبَيْنَ قِيمَةِ الْعَبْدِ شَيْءٌ مُتَفَاوِتٌ فَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ عِنْدَ الْقَاضِي: قَدْ اخْتَرْت إمْسَاكَ الْعَبْدِ أَوْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ شُهُودًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَنْ يَدْفَعَ الْعَبْدَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ الْعَبْدَ وَيُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ ثَمَنِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ مَا اخْتَارَهُ فَالْجِنَايَةُ دَيْنٌ عَلَى الْأَيْتَامِ حَتَّى يُؤَدُّوهَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ: رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الْعَبْدَ وَلَمْ يُنْفِذْ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ وَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَعَلَى الْمَيِّتِ- سِوَى الثَّمَنِ- أَلْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَى هَذَا الْعَبْدِ فَوَجَدَ الْوَصِيُّ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ لِلْغَرِيمِ نَقْضُهُ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ عَلَى الْبَائِعِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ الثَّمَنِ وَيُعْطِيَهُ إلَى الْغَرِيمِ الْآخَرِ، وَإِنْ تَوَى الثَّمَنَ عَلَى الْبَائِعِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَصِيِّ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّدَّ لَمَّا اُعْتُبِرَ بَيْعًا جَدِيدًا فِي حَقِّ الْغَرِيمِ صَارَ كَأَنَّ الْوَصِيَّ بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَتَوَى الثَّمَنَ عَلَيْهِ وَهُنَاكَ لَا يَضْمَنُ فَكَذَا هَاهُنَا فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ حَيْثُ يَضْمَنُ لِلْغَرِيمِ الْآخَرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَتَعَلَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ بِهِ فَهُوَ بِالدَّفْعِ إلَى أَحَدِهِمَا يَصِيرُ مُتْلِفًا عَلَى الْآخِرِ حَقَّهُ.
أَمَّا هَاهُنَا فَالْوَصِيُّ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا إنَّمَا بَاشَرَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ الْغَرِيمِ وَلَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الضَّمَانِ فَلَا يَضْمَنُ، قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ لِلْوَصِيِّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ غَرِيمِ الْمَيِّتِ وَخَافَ ظُهُورَ دَيْنٍ آخَرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مِنْ غَرِيمِهِ بِمَا لِلْغَرِيمِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَضْمَنُ إذَا ظَهَرَ دَيْنٌ آخَرُ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ أَنَّ الْوَصِيَّ حِينَ أَرَادَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لَمْ يَقْبَلْهُ الْبَائِعُ حَتَّى خَاصَمَهُ الْوَصِيُّ إلَى الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْلَمُ بِدَيْنِ الْغَرِيمِ الْآخَرِ لَا يُرَدُّ الْعَبْدُ بِالْعَيْبِ بَلْ يَبِيعُهُ وَيَقْسِمُ ثَمَنَهُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَضْمَنُ الْبَائِعُ نُقْصَانَ الْعَيْبِ لَا قَبْلَ بَيْعِ الْقَاضِي وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي بِدَيْنِ غَرِيمٍ آخَرَ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنْ الْبَائِعِ، فَإِنْ أَقَامَ الْغَرِيمُ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنِهِ خَيَّرَ الْقَاضِي بَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ الرَّدُّ وَيَضْمَنَ لِلْغَرِيمِ الْآخَرِ نِصْفَ الثَّمَنِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الرَّدَّ وَيَرُدَّ الْعَبْدَ حَتَّى يُبَاعَ فِي دَيْنِهِمَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَوْمٌ اُدُّعُوا عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ إلَّا أَنَّ الْوَصِيَّ يَعْلَمُ بِالدَّيْنِ، قَالَ نُصَيْرٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَبِيعُ الْوَصِيُّ التَّرِكَةَ مِنْ الْغَرِيمِ ثُمَّ يَجْحَدُ الْغَرِيمُ الثَّمَنَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ قِصَاصًا، وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ صَامِتًا يُودَعُ الْمَالُ عِنْدَ الْغَرِيمِ ثُمَّ يَجْحَدُ الْغَرِيمُ الْوَدِيعَةَ فَيَصِيرُ قِصَاصًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ عُدُولٌ بَيْنَ يَدَيْ الْوَصِيِّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى الْمَيِّتِ كَذَا كَذَا دَيْنًا وَلَمْ يَشْهَدُوا بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي هَلْ يَبِيعُ الْوَصِيُّ قَضَاءَ هَذَا الدَّيْنِ إذَا أَنْكَرَتْ الْوَرَثَةُ؟ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- أَيْضًا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَسَعُهُ الْقَضَاءُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْمَيِّتُ بِالدَّيْنِ بَيْنَ يَدَيْ الْوَصِيِّ وَأَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ وَلَا يُلْحِقَهُ الْغَرِيمَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْقَاضِي وَيَقُولَ لَهُ: اقْسِمْ أَنْتَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ حَتَّى إذَا ظَهَرَ دَيْنٌ آخَرُ بِالْبَيِّنَةِ لَا يَكُونُ لِلْغَرِيمِ الثَّانِي أَنْ يُخَاصِمَنِي وَلَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَيَّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَدْفَعُ إلَى الْمَقَرِّ لَهُ قَدْرَ الدَّيْنِ سِرًّا حَتَّى لَا تَعْرِفَ الْوَرَثَةُ فَيَضْمَنُونَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ مِنْ التَّرِكَةِ مِقْدَارَ الدَّيْنِ فِي صُرَّةٍ فَيَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَبْعَثَ إلَى الْغَرِيمِ فَيَجِيءَ فَيَأْخُذَ سِرًّا وَجَهَرَا وَالْوَصِيُّ يَتَغَافَلُ فَإِنْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ يَقُولُ لِلْوَرَثَةِ: خَاصِمُوا أَنْتُمْ أَوْ أُقِيمُوا غَيْرِي لِكَيْ يُخَاصِمَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ مِقْدَارَ الدَّيْنِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ فِي صُرَّةٍ فَيُودِعَ الْغَرِيمَ فَذَهَبَ الْغَرِيمُ الْوَدِيعَةِ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ، ثُمَّ إنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُودِعَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقُولَ لِلْمَيِّتِ حِينَ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ: أَحْضِرْ شَاهِدَيْنِ أُشْهِدْهُمَا عَلَى قَوْلِك، أَوْ أَشْهِدْ شَاهِدًا وَاحِدًا سِوَايَ، حَتَّى لَوْ جَاءَ الْغَرِيمُ بَعْدُ فَالشَّاهِدَانِ لَهُ يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ أَوْ يَشْهَدُ الْوَصِيُّ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، ثُمَّ يَقْضِي الْوَصِيُّ دَيْنَهُ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ ضَمَانًا عَلَى الْوَصِيِّ، وَقَالُوا: إنَّك قَضَيْت دَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى الْمَيِّتِ فَصِرْت ضَامِنًا، وَأَنْكَرَ الْوَصِيُّ الضَّمَانَ وَأَرَادَتْ الْوَرَثَةُ اسْتِحْلَافَ الْوَصِيِّ- فَالْقَاضِي لَا يَسْتَحْلِفُ الْوَصِيَّ بِاَللَّهِ مَا قَضَيْت نَظَرًا لِلْوَصِيِّ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَالَهُمْ قِبَلَك مَا يَدَّعُونَ مِنْ الضَّمَانِ عَلَيْك، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: قَبَضْت مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ الْأَلْفَ الَّذِي كَانَ لِي عَلَيْهِ، وَغُرَمَاءُ الْمَيِّتِ قَالُوا: لَا بَلْ قَبَضْت مِنْهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَلَنَا حَقُّ الْمُشَارَكَةِ فِيمَا قَبَضْت مِنْهُ قَالُوا: إنْ كَانَ الْأَلْفُ الْمَقْبُوضُ قَائِمًا شَارَكُوهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ حَادِثٌ فَيُحَالُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ حَالَةُ الْمَرَضِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ هَالِكًا لَا شَيْءَ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ قِبَلَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ بِنَوْعٍ ظَاهِرٍ وَالظَّاهِرُ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِإِيجَابِ الضَّمَانِ فَحَالَ قِيَامُ الْأَلْفِ هُوَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ سَلَامَةَ الْمَقْبُوضِ وَالْغُرَمَاءُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ كَانَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ فَلَا يَصْلُحُ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ وَبَعْدَ هَلَاكِ الْمَقْبُوضِ حَاجَةُ الْغُرَمَاءِ إلَى إيجَابِ الضَّمَانِ وَلَا يَصْلُحُ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُمْ.
وَصِيٌّ عَلَيْهِ لِلْمَيِّتِ دَيْنٌ وَالْمَيِّتُ أَوْصَى بِوَصَايَا فَيُرِيدُ الْوَصِيُّ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ قَالُوا: يُنْفِذُ وَصَايَا الْمَيِّتِ أَوْ يَقْضِي دُيُونَ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ قِصَاصًا بِمَا عَلَيْهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الْقِصَاصَ حِينَ يَقْضِي فَيَقُولَ: أَقْضِي مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَصِيرَ قِصَاصًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
الْوَصِيُّ بَعْدَمَا خَرَجَ مِنْ الْوِصَايَةِ إذَا قَبَضَ دَيْنًا لِلْيَتِيمِ يَنْظُرُ إنْ كَانَ مَوْرُوثًا لِلصَّغِيرِ أَوْ وَجَبَ بِعَقْدِ الْوَصِيِّ عَقْدًا لَا تَرْجِعُ الْحُقُوقُ فِيهِ إلَى الْعَاقِدِ لَا يَصِحَّ وَلَا يَبْرَأْ الْمَدْيُونُ، وَإِنْ وَجَبَ بِعَقْدِ الْوَصِيِّ عَقْدًا تَرْجِعُ فِيهِ حُقُوقُ الْعَقْدِ إلَى الْعَاقِدِ يَصِحَّ قَبْضُهُ وَيَبْرَأُ الْمَدْيُونُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ ادَّعَى عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقَاضِيَ هَلْ يُخْرِجُ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُخْرِجُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عَيْنًا أَنَّهَا لَهُ فَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ عَنْ الْوِصَايَةِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي إمَّا أَنْ تُبَرِّئَهُ عَنْ الَّذِي تَدَّعِي أَوْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ وَإِلَّا أَخْرَجْتُك عَنْ الْوِصَايَةِ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ أَخْرَجَهُ عَنْ الْوِصَايَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا ادَّعَى دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ عَنْ الْوِصَايَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُنَصِّبُ لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا حَتَّى يُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ تَرَكَ الثَّانِيَ وَصِيًّا وَصَارَ الْأَوَّلُ خَارِجًا عَنْ الْوِصَايَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَعَادَ الْأَوَّلَ إلَى الْوِصَايَةِ بَعْدَمَا قَضَى دَيْنَهُ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ لِلْمَيِّتِ وَصِيًّا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ الَّذِي يَدَّعِي خَاصَّةً وَلَا يُخْرِجُ الْوَصِيَّ عَنْ الْوِصَايَةِ وَبِهِ أَخَذَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
مَيِّتٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَهُ وَصِيٌّ وَابْنٌ صَغِيرٌ فَأَدْرَكَ الِابْنُ ثُمَّ قَبَضَ الْوَصِيُّ دَيْنَ الْمَيِّتِ جَازَ قَبْضُهُ وَلَوْ كَانَ الِابْنُ حِينَ بَلَغَ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ.
رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِرَجُلٍ وَلِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَضَى مَدْيُونُ الْمَيِّتِ دَيْنَ الْمَيِّتِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَبْرَأُ عَمَّا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَصِيِّ وَأَمْرِ الْوَارِثِ وَإِذَا أَرَادَ مَدْيُونُ الْمَيِّتِ قَضَاءَ دِينِ الْمَيِّتِ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَقُولُ عِنْدَ الْقَاضِي: هَذَا الْأَلْفُ الَّذِي لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عَلَيَّ مِنْ الْأَلْفِ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَضَى الْأَلْفَ عَنْ الْمَيِّتِ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَيَكُونُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّ مُسْتَوْدَعًا قَضَى دَيْنَ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْوَدِيعَةِ كَانَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَجَازَ قَضَاءَهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُسْتَوْدَعُ وَيُسَلِّمُ الْمَقْبُوضَ إلَى الْقَابِضِ.
مَيِّتٌ أَوْصَى إلَى امْرَأَتِهِ وَتَرَكَ مَالًا وَلِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ مَهْرُهَا إنْ تَرَكَ الْمَيِّتَ صَامِتًا مِثْلَ مَهْرِهَا كَانَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَهْرَهَا مِنْ الصَّامِتِ؛ لِأَنَّهَا ظَفِرَتْ بِجِنْسِ حَقِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ صَامِتًا كَانَ لَهَا أَنْ تَبِيعَ مَا كَانَ أَصْلَحَ لِلْبَيْعِ وَتَسْتَوْفِي صَدَاقَهَا مِنْ الثَّمَنِ.
مَدْيُونٌ مَاتَ وَرَبُّ الدَّيْنِ وَارِثُهُ أَوْ وَصِيُّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْوَرَثَةِ.
رَجُلٌ مَاتَ عَنْ أَوْلَادٍ صِغَارٍ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ فَنَصَّبَ الْقَاضِي رَجُلًا وَصِيًّا فِي التَّرِكَةِ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا قَالُوا: أَمَّا الدَّيْنُ الْوَدِيعَةُ فَلَا يَقْضِي إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِمَا بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا الْمَهْرَانِ كَانَ النِّكَاحُ مَعْرُوفًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهَا، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ يَمْنَعُ عَنْهَا مِقْدَارَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَعْجِيلِهِ قَبْلَ تَسْلِيمِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ نَفْسَهَا إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمُعَجَّلِ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَفِيهِ نَوْعُ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْمَهْرِ كَانَ وَاجِبًا بِالنِّكَاحِ فَلَا يُقْضَى بِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِبْطَالِ مَا كَانَ ثَابِتًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا وَوَارِثًا وَاحِدًا فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ عَلَى الْوَارِثِ وَدَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا وَغَابَ الْوَارِثُ فَحَضَرَ لَهُ غَرِيمٌ آخَرُ فَإِنَّ الْغَرِيمَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ الْأَوَّلُ هُوَ الْغَائِبُ فَأَحْضَرَ الثَّانِي وَارِثَ الْمَيِّتِ كَانَ خَصْمًا لَهُ فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْوَارِثِ وَقَدْ تَوَى مَا أَخَذَهُ الْوَارِثُ رَجَعَ الْغَرِيمُ الثَّانِي عَلَى الْغَرِيمِ الْأَوَّلِ وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضَ مَا قَبَضَ ثُمَّ يَتْبَعَانِ الْوَارِثَ بِمَا بَقِيَ لَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ غَرِيمًا وَكَانَ مُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَقَبَضَهُ وَغَابَ الْوَارِثُ فَأَقَامَ الرَّجُلُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا فَالْمُوصَى لَهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ غَرِيمًا وَالثَّانِي مُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ لَمْ يَكُنْ الْغَرِيمُ خَصْمًا لَهُ ذُكِرَ فِي النَّوَازِلِ.
رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ تَرِكَتِهِ فَأَحْضَرَ مَعَ نَفْسِهِ وَارِثَ الْمَيِّتِ فَقَدْ قِيلَ: الْوَارِثُ لَا يَكُونُ خَصْمًا لِلْغَرِيمِ، وَقِيلَ: يَكُونُ خَصْمًا وَيَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي حَقِّ الْخُصُومَةِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى تَرِكَةٌ مُسْتَغْرَقَةٌ كُلُّهَا بِالدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرُهَا ادَّعَى مُدَّعٍ آخَرُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَعَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْوَرَثَةِ وَأَصْحَابَ الدُّيُونِ لَا يَمِينَ عَلَى الْغُرَمَاءِ أَصْلًا، وَكَذَا لَا يَمِينَ عَلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ كُلُّ التَّرِكَةِ مُسْتَغْرَقَةً بِالدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْوَصِيُّ هُوَ الْخَصْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ وَلَا وَارِثٌ جَعَلَ الْقَاضِي لَهُ وَصِيًّا، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَضْلٌ عَنْ الدَّيْنِ يَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْوَارِثَ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ تُسْمَعُ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي لَكِنْ لَا يُسْتَحْلَفُ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْفَقِيهَانِ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو اللَّيْثِ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى-.
ادَّعَى عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَوَصِيُّهُ غَائِبٌ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فَالْقَاضِي يُنَصِّبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ لِيُخَاصِمَ الْمُدَّعِيَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ حَاضِرًا وَأَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالدَّيْنِ فَالْقَاضِي يُنَصِّبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ هَكَذَا ذَكَرَ الْفَضْلِيُّ فِي فَتَاوَاهُ.
وَفِي إقْرَارِ الْوَاقِعَاتِ إذَا أَقَرَّ وَصِيُّ الْمَيِّتِ أَنِّي قَبَضْت كُلَّ دَيْنٍ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ، فَجَاءَ غَرِيمٌ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ وَقَالَ لِلْوَصِيِّ: دَفَعْت إلَيْك كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الْوَصِيُّ: مَا قَبَضْت مِنْك شَيْئًا وَلَا عَلِمْت أَنَّهُ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيْك شَيْءٌ- فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمْ الْوَصِيَّ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: قَبَضْت كُلَّ دَيْنٍ لِفُلَانٍ بِالْكُوفَةِ أَوْ أَضَافَ إلَى مِصْرَ أَوْ سَوَادٍ، وَكَذَا الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الدَّيْنِ، الْوَدِيعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ أَنْفَذَ الْوَصِيَّةَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قَالُوا: إنْ كَانَ هَذَا الْوَصِيُّ وَارِثًا يَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْعِبَادِ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ لَهَا مُطَالِبًا مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ وَكَانَ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى.
لَا يَرْجِعُ وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَكَذَا الْوَصِيُّ إذَا اشْتَرَى كِسْوَةً لِلصِّغَارِ أَوْ يَشْتَرِي مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَكَذَا لَوْ قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَارِثِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى الْوَارِثُ الْكَبِيرُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً لِلصَّغِيرِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَالتَّرِكَةِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ إذَا أَدَّى خَرَاجَ الْيَتِيمِ أَوْ عُشْرَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَلَوْ كَفَّنَ الْوَصِيُّ الْمَيِّتَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَحَدُ الْوَرَثَةِ إذَا قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ حَتَّى كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا ثُمَّ وَرِثُوا عَنْ مَيِّتٍ آخَرَ لَا يَكُونُ لِلَّذِي قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ الثَّانِي، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلِلْوَارِثِ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ الْمَيِّتِ وَأَنْ يُكَفِّنَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَرَثَةِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ.
الْوَصِيُّ إذَا اشْتَرَى كَفَنًا لِلْمَيِّتِ أَوْ اشْتَرَى الْوَارِثُ ثُمَّ عَلِمَ بِعَيْبٍ فِي الْكَفَنِ بَعْدَمَا دُفِنَ الْمَيِّتُ كَانَ لِلْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ أَنْ يَرْجِعَا بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ.
وَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا اشْتَرَى لِلْمَيِّتِ كَفَنًا فَعَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَمَا دُفِنَ فِيهِ ذَكَرَ النَّاطِفِيُّ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَرْجِعُ الْأَجْنَبِيُّ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَرْجِعُ.
غَرِيبٌ نَزَلَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ فَمَاتَ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَتَرَكَ دَرَاهِمَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، فَيُكَفِّنُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ كَفَنًا وَسَطًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْحَاكِمُ كَفَّنَهُ كَفَنًا وَسَطًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا يَبِيعُ هَذَا الرَّجُلُ مَالَهُ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ جَارِيَةً لَا يَبِيعُهَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
إذَا تَصَرَّفَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ السِّكَّةِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَا وَصِيَّ لِلْمَيِّتِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يُنَصِّبَ وَصِيًّا وَأَنَّهُ يَأْخُذُ الْمَالَ وَيُفْسِدُهُ- أَفْتَى الْقَاضِي الدَّبُوسِيُّ بِأَنَّ تَصَرُّفَهُ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ، قَالَ قَاضِي خَانْ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَبِهِ يُفْتَى، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ فَجَاءَ وَارِثُهُ فَقَالَ: مَاتَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَتَرَكَ صُنُوفَ أَمْوَالٍ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَلَا يَعْرِفُهُمْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ هَلْ يَكُونُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: إنْ كُنْت صَادِقًا فَبِعْ الْمَالَ حَتَّى يُقْضَى الدَّيْنُ؟ قَالَ: إنْ فَعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ.
وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- رَجُلٌ مَاتَ فَزَعَمَ غُرَمَاؤُهُ وَوَرَثَتُهُ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُمْ الْحَاكِمُ: إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَدْ جَعَلْت هَذَا وَصِيًّا، قَالَ: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ فِي سَعَةٍ وَيَصِيرُ الرَّجُلُ وَصِيًّا إنْ كَانُوا صَادِقِينَ.
امْرَأَةٌ أَوْصَتْ بِثُلُثِ مَالِهَا وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ فَأَنْفَذَ الْوَصِيُّ بَعْضَ وَصِيَّتِهَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ هَلْ يَكُونُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْرُكَ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ؟ قَالُوا: إنْ عَلِمَ الْوَصِيُّ مِنْ دَيَّانَةِ الْوَرَثَةِ أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ الثُّلُثَ جَازَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ عَلِمَ خِلَافَ ذَلِكَ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي أَيْدِيهِمْ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْهُمْ رَجُلٌ اشْتَرَى لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا وَأَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عِنْدَ أَدَاءِ الثَّمَنِ أَنَّهُ إنَّمَا أَدَّى الثَّمَنَ لِيَرْجِعَ- فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَصِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْوَالِدَيْنِ أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الصِّلَةَ وَالْبِرَّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ، وَكَذَا الْأَبُ إذَا قَضَى مَهْرَ امْرَأَةِ ابْنِهِ إنْ لَمْ يُشْهِدْ لَا يَرْجِعْ، وَكَذَا الْأُمُّ إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ إنْ لَمْ تُشْهِدْ عِنْدَ أَدَاءِ الثَّمَنِ لَا تَرْجِعْ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إذَا قَالَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ: أَنْفَقْتُ مَالَكَ عَلَيْكَ فِي كَذَا وَكَذَا سَنَةً- فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْفَضْلِ عَلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ، ثُمَّ نَفَقَةُ الْمِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ فَقَالَ الْوَصِيُّ: مَاتَ أَبُوكَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، قَالَ الْيَتِيمُ: مَاتَ أَبِي مُنْذُ خَمْسِ سِنِينَ- ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنِ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- فِيهِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ.
قَالَ الْوَصِيُّ: تَرَكَ أَبُوكَ رَقِيقًا فَأَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِكَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا ثُمَّ إنَّهُمْ مَاتُوا أَوْ أُبْقُوا وَتِلْكَ النَّفَقَةُ نَفَقَةُ الْمِثْلِ.
وَالصَّغِيرُ يُكَذِّبُهُ وَيَقُولُ: إنَّ أَبِي مَا تَرَكَ رَقِيقًا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى-: الْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْعَبِيدَ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
إذَا ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ غُلَامًا لِلْيَتِيمِ أَبَقَ فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَأَعْطَيْت لَهُ جَعَلَهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَالِابْنُ يُنْكِرُ الْإِبَاقَ؛ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى- الْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيُّ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا ادَّعَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: لَمْ يَتْرُكْ أَبُوك رَقِيقًا لَكِنْ أَنَا اشْتَرَيْت لَك رَقِيقًا مِنْ مَالِك وَأَدَّيْت ثَمَنَهُمْ مِنْ مَالِك وَأَنْفَقْت عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِك أَيْضًا؛ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَتَى جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ فِيمَا ذَكَرْنَا يَحْلِفُ، هَذَا جَوَابُ الْكِتَابِ إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا- رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى- كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُسْتَحْسَنُ أَنْ يَحْلِفَ الْوَصِيُّ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِيَانَةٌ.
وَفِي نَوَادِرِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا ادَّعَى أَنَّ وَالِدَ الصَّغِيرِ تَرَكَ كَذَا، وَكَذَا مِنْ الْغِلْمَانِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَاتُوا فَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَيِّتِ يَكُونُ لَهُ مِثْلُ مَا سَمَّى مِنْ الرَّقِيقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ وَلَا يَكُونُ لِمِثْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْغِلْمَانِ لَمْ أُصَدِّقْهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّهُ أَعْطَى الْيَتِيمَ فِي شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَأَنَّهُ ضَيَّعَهَا فَأَعْطَاهُ مِائَةً أُخْرَى فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ قَالَ: أُصَدِّقُهُ مَا لَمْ يَجِئْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ فَاحِشٍ، يَعْنِي يَقُولُ: أَعْطَيْته مِرَارًا كَثِيرَةً فَضَيَّعَهَا.
عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِيهِ أَنَّهُ لَهُ قَالَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ: إنِّي اشْتَرَيْت هَذَا الْغُلَامَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِك وَقَبَضْته وَدَفَعْت الثَّمَنَ إلَيْهِ وَأَنْفَقْت عَلَيْهِ مِنْ مَالِك كَذَا وَكَذَا فِي مُدَّةِ كَذَا، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَلَبَ عَلَيَّ فَأَخَذَهُ مِنِّي وَكَذَّبَهُ الْيَتِيمُ وَاَلَّذِي فِي يَدَيْهِ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ الْوَصِيُّ فِي حَقِّ بَرَاءَتِهِ عَنْ الضَّمَانِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ حَتَّى لَا يُؤْخَذَ الْعَبْدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ ذِي الْيَدِ، إمَّا مُدَّعٍ أَوْ شَاهِدٌ وَالْحُكْمُ لَا يُقْطَعُ بِالدَّعْوَى وَلَا بِشَهَادَةِ الْفَرْدِ، أَمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ مُنْكَرٌ لِلضَّمَانِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِنْ قَالَ الْوَصِيُّ: فَرَضَ الْقَاضِي لِأَخِيكَ الزَّمِنِ هَذَا نَفَقَةً فِي مَالِك كُلَّ شَهْرٍ كَذَا فَأَدَّيْت إلَيْهِ لِكُلِّ شَهْرٍ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ فَكَذَّبَهُ الِابْنُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ عِنْدَ الْكُلِّ وَيَكُونُ ضَامِنًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ قَالَ لَهُ: أَبُوك مَاتَ وَتَرَكَ هَذِهِ الْأَرْضَ لَك وَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ فَأَدَّيْت خَرَاجَهَا إلَى السُّلْطَانِ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا، وَقَالَ الْوَارِثُ: لَمْ يَمُتْ أَبِي إلَّا مُنْذُ سَنَتَيْنِ؛ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي الْجُعْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا اتَّفَقَا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ وَاخْتَلَفَا فِي أَرْضٍ فِيهَا مَاءٌ لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ الزِّرَاعَةُ فَقَالَ الْوَارِثُ: لَمْ يَزُلْ كَذَلِكَ وَلَمْ يَجِبْ خَرَاجُهَا، وَقَالَ الْوَصِيُّ: إنَّمَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ لِلْحَالِ وَقَدْ أَدَّيْت خَرَاجَهَا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي الْجُعْلِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ لَا مَاءَ فِيهَا وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ.
وَفِي النَّوَازِلِ لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ: إنَّك اسْتَهْلَكْت عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي صِغَرِك كَذَا وَكَذَا فَقَضَيْته عَنْك- فَكَذَّبَهُ الْيَتِيمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْيَتِيمِ وَالْوَصِيُّ ضَامِنٌ عِنْدَ الْكُلِّ.
وَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ: إنَّ عَبْدَك هَذَا قَدْ أَبَقَ إلَى الشَّامِ فَاسْتَأْجَرْتُ رَجُلًا فَجَاءَ بِهِ مِنْ الشَّامِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَعْطَيْت الْأَجْرَ وَأَنْكَرَ الْيَتِيمُ ذَلِكَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ: إنَّمَا أَدَّيْتُ ذَلِكَ مِنْ مَالِي لِأَرْجِعَ بِهِ عَلَيْك وَكَذَّبَهُ الْيَتِيمُ فَإِنَّ الْوَصِيَّ لَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ أَحْضَرَ الْوَصِيُّ رَجُلًا إلَى الْقَاضِي فَقَالَ: إنَّ هَذَا رَدَّ عَبْدًا لِصَغِيرٍ مِنْ الْإِبَاقِ فَوَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ وَفِي يَدَيَّ مَالُ هَذَا الصَّغِيرِ فَأَعْطَيْته هَلْ يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي قِيلَ: هَذَا عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا يُصَدِّقُ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَأَقَرَّ وَصِيُّهُ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ قَبَضَهُ لَمْ يَكُنْ الْوَصِيُّ خَصْمًا فِي قَبْضِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ وَكِيلًا فِي قَبْضِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي إقْرَارِ الْأَصْلِ: إذَا أَقَرَّ وَصِيُّ الْمَيِّتِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ هُوَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا قَبَضْت مِنْهُ مِائَةً وَقَالَ الْغَرِيمُ: كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَبَضْتهَا فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ كَانَ هَذَا دَيْنًا وَجَبَ بِإِدَانَةِ الْوَصِيِّ أَوْ بِإِدَانَةِ الْمَيِّتِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ بَعْدَ إقْرَارِ الْوَصِيِّ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَ إقْرَارِ الْوَصِيِّ بِاسْتِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ وَالْوَصِيُّ فِي كُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْلُو أَمَّا أَنْ وَصَلَ قَوْلَهُ فَهِيَ مِائَةٌ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى لِجَمِيعٍ أَوْ فَصَلَ وَقَدْ بَدَأَ مُحَمَّدٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بِمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا بِإِدَانَةِ الْمَيِّتِ وَأَقَرَّ الْوَصِيُّ أَوَّلًا بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْغَرِيمِ، ثُمَّ قَالَ: وَهِيَ مِائَةٌ مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ ثُمَّ أَقَرَّ الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَدْ اسْتَوْفَى الْوَصِيُّ مِنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَذَكَرَ أَنَّ الْغَرِيمَ بَرَّأَ عَنْ الْأَلْفِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْبَعَهُ بِشَيْءٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ قَبَضَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَلَا يُصَدَّقُ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَصِيِّ حَتَّى لَا يَضْمَنَ تِسْعَمِائَةٍ لِلْوَرَثَةِ بِسَبَبِ الْجُحُودِ فَإِنْ قَامَتْ لِلْمَيِّتِ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْغَرِيمِ كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوْ غَرِيمٌ لِلْمَيِّتِ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْغَرِيمُ بَرِيئًا عَنْ الْأَلْفِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْبَعَ الْغَرِيمَ بِتِسْعِمِائَةٍ وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ تِسْعَمِائَةٍ لِلْوَرَثَةِ فَإِذَا أَقَرَّ الْغَرِيمُ أَوَّلًا أَنَّ الدَّيْنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَهِيَ مِائَةٌ مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْأَلْفُ بِالْبَيِّنَةِ يَكُونُ الْغَرِيمُ بَرِيئًا عَنْ جَمِيعِ الْأَلْفِ بِإِقْرَارِ الْوَصِيِّ بِالِاسْتِيفَاءِ وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ تِسْعَمِائَةٍ لِلْوَرَثَةِ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إنْ قَالَ الْوَصِيُّ وَهِيَ مِائَةٌ مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ فَأَمَّا إذَا قَالَ مَوْصُولًا بِأَنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْغَرِيمُ لَا بَلْ كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ذَكَرَ أَنَّ الْوَصِيَّ يُصَدَّقُ فِي هَذَا الْبَيَانِ حَتَّى كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْبَعَ الْغَرِيمَ بِتِسْعِمِائَةٍ هَذَا إذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَوَّلًا بِالِاسْتِيفَاءِ، وَإِنْ أَقَرَّ الْغَرِيمُ أَوَّلًا بِالدَّيْنِ ثُمَّ قَالَ الْوَصِيُّ: اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مِائَةٌ مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا وَجَبَ الدَّيْنُ بِإِدَانَةِ الْمَيِّتِ يَكُونُ الْغَرِيمُ بَرِيئًا عَنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ لِإِقْرَارِ الْوَصِيِّ وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلْوَرَثَةِ تِسْعَمِائَةٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا كُلَّهُ إذَا قَالَ الْوَصِيُّ وَهِيَ مِائَةٌ مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ، أَمَّا إذَا قَالَ: مَوْصُولًا بِأَنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مِائَةٌ ثُمَّ قَالَ الْغَرِيمُ: كَانَ الدَّيْنُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَبَضْتهَا فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَكُونُ بَرِيئًا عَنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَتْبَعَهُ بِشَيْءٍ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلْوَرَثَةِ إلَّا قَدْرَ مَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَوَّلًا بِالِاسْتِيفَاءِ.
فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ الْغَرِيمُ أَوَّلًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ الْوَصِيُّ: اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ مِائَةٌ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَكُونُ بَرِيئًا عَنْ جَمِيعِ الْأَلْفِ وَيَضْمَنُ الْوَصِيُّ لِلْوَرَثَةِ تِسْعَمِائَةٍ مِنْهَا، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ وَصِيًّا بَاعَ خَادِمًا لِلْوَرَثَةِ وَأَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى جَمِيعَ ثَمَنِهِ وَهُوَ مِائَةٌ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ كَانَ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ قَالَ الْوَصِيُّ وَهُوَ مِائَةٌ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ قَالَ مَفْصُولًا فَإِنْ قَالَ: مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الْبَيَانُ حَتَّى يُبَرَّأَ الْغَرِيمُ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ بِإِقْرَارِ الْوَصِيِّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَصِيِّ فِيمَا قَبَضَ وَالْجَوَابُ فِيمَا إذَا كَانَ مَالِكًا وَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مِائَةٌ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا كَالْجَوَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيِّ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَهُوَ جَمِيعُ الثَّمَنِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا بَلْ الثَّمَنُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَأَرَادَ الْوَصِيُّ أَنْ يَتْبَعَهُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَلَهُ ذَلِكَ.
وَإِذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ أَوْ غَرِيمُ الْمَيِّتِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ حَتَّى قُبِلَتْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يُؤْخَذُ بِالْمِائَةِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ إلَّا الْمِائَةَ الَّتِي أَخَذَ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: مَفْصُولًا وَهُوَ مِائَةٌ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْغَرِيمِ مِائَتَانِ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمِائَتَيْنِ، قَالَ: وَإِذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا قَبَضْت مِنْهُ مِائَةً وَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ كَانَ أَلْفًا، أَوْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِاسْتِيفَاءِ مَا عِنْدَهُ، وَقَوْلُ الْوَصِيِّ: وَهُوَ مِائَةٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا بِإِقْرَارِهِ أَوْ مَفْصُولًا فَإِنْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ بِالِاسْتِيفَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَبَضْت مِائَةً، وَقَالَ: الْمَطْلُوبُ كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ قَبَضْتهَا فَإِنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ بَرِيئًا عَنْ الْجَمِيعِ كَمَا فِي الدَّيْنِ فَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْمَطْلُوبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ الْوَصِيُّ ضَامِنٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، هَذَا إذَا قَالَهُ مَفْصُولًا، فَأَمَّا إذَا قَالَهُ مَوْصُولًا ثُمَّ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَنَّ مَا عِنْدَهُ كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَصِيِّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ مِائَةً وَلَا يَتْبَعُ الْمَطْلُوبَ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ هَذَا فِي الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْغَرِيمَ بِالْبَاقِي، هَذَا إذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَوَّلًا بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ أَوَّلًا أَنَّ الْأَمَانَةَ عِنْدَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَهُوَ مِائَةٌ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْمَالَ عِنْدَ الْمَطْلُوبِ كَانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْبَعُ الْمَطْلُوبَ بِشَيْءٍ قَالَ: وَإِذَا أَقَرَّ وَصِيُّ الْمَيِّتِ أَنَّهُ قَبَضَ كُلَّ دِينٍ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ فَجَاءَ غَرِيمٌ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ فَقَالَ لِلْوَصِيِّ: قَدْ دَفَعْت إلَيْك كَذَا وَكَذَا، أَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: مَا قَبَضْت مِنْك شَيْئًا وَلَا عَلِمْت أَنَّهُ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيْك شَيْءٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ وَلَا تَثْبُتُ الْبَرَاءَةُ لِلْغُرَمَاءِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ الَّذِي وُجِدَ مِنْ الْوَصِيِّ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ، وَإِذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا عَلَى فُلَانٍ مِنْ دَيْنِ الْمَيِّتِ فَقَالَ الْغَرِيمُ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْوَصِيُّ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ لَكِنَّك أَعْطَيْت الْمَيِّتَ خَمْسَمِائَةٍ فِي حَيَاتِهِ وَدَفَعْت الْخَمْسَمِائَةِ الْبَاقِيَةَ إلَى بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ الْغَرِيمُ: بَلْ دَفَعْت الْكُلَّ إلَيْك؛ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَضْمَنُ الْوَصِيُّ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَكِنْ يَسْتَحْلِفُ الْوَرَثَةَ عَلَى دَعْوَاهُ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مَا لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ عَلَى النَّاسِ مِنْ دَيْنٍ اسْتَوْفَاهُ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْوَصِيُّ: لَيْسَتْ هَذِهِ فِيمَا قَبَضْت؛ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْوَصِيَّ وَيَبْرَأُ جَمِيعُ غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ اسْتَوْفَيْت جَمِيعَ مَا لِلْمَيِّتِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى النَّاسِ وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ هَذَا الرَّجُلِ حَيْثُ لَا تَقَعُ الْبَرَاءَةُ لِلْغُرَمَاءِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ أَنَّ وَصِيًّا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ جَمِيعَ مَا فِي مَنْزِلِ فُلَانٍ مِنْ مَتَاعِهِ وَمِيرَاثِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسَةُ أَثْوَابٍ، وَادَّعَى الْوَارِثُ أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ مِيرَاثُ الْمَيِّتِ يَوْمَ مَاتَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمِائَةَ ثَوْبٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ إلَّا قَدْرُ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ، وَإِنْ قَالَ: وَهِيَ مِائَةٌ، مَفْصُولًا عَنْ إقْرَارِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
إذَا أَقَرَّ عَلَى الْمَيِّتِ بِالدَّيْنِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.